تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 303
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
الصحيح المشهور من كلام أهل العلم؛ والوحي لا يلزم منه أن يكون وحي نبوة، فالوحي يحتمل أن يكون لنبي وأن يكون لغير نبي، فقد أوحي الله إلى الحواريين، وليسوا بأنبياء بالنص، لقول النبي ﷺ: « أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ » (١)، وأوحى الله عز وجل إلى النحل، فلا يلزم من لفظ الوحي النبوة، كما لا يلزم من تكليم الملائكة لبشر، أو رؤيته إياهم أن يكون كذلك نبياً، فقد رأى الصحابة جبريل عليه السلام، أتاهم يعلمهم دينهم وسمعوا كلامه، وكان عمران بن حصين ﷺ يكلم وتسلم عليه الملائكة وهذا في الصحيح، وليسوا بأنبياء نصاً وإجماعاً.
والكمال لمن كمل من النساء، لا يلزم منه النبوة، لأن خديجة وفاطمة - رضي الله عنهما - ليستا بنبيات إجماعاً؛ وما احتج به ابن كثير بأن مريم صديقة بنص القرآن لا يلزم منه نفي النبوة، فإبراهيم عليه السلام كان صديقاً نبياً، وإدريس عليه السلام كان صديقاً نبياً؛ فوصف الصديقية لا يلزم منه نفي النبوة، وإذا كان الكتاب والسنة قد أخبرانا بنفي الرسالة عن غير الرجال، ولم يثبتا نبوة أحد من النساء صراحة، ولم ينفياه صراحة؛ فالواجب أن نتوقف حيث أوقفنا الكتاب والسنة.
وقد ورد في الحديث « مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ هُوَ أَمْ لَا، وَمَا أَدْرِي أَعُزَيْرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لَا » (٢)، فإذا كان الرسول ﷺ لا يدري نبوة البعض من عدمها، فنحن أولى بالوقف فيما لا نص بإثباته ولا بنفيه، والله أعلم.
المسألة الثانية: أنهم من أهل القرى: قال ابن كثير - رحمه الله -: ( وقوله تعالى ﴿ مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ﴾، المراد بالقرى: المدن، لأنهم من أهل البوادي الذين هم من أجفى الناس طباعاً وأخلاقاً. وهذا هو المعروف أن أهل المدن أرق طباعاً، وألطف؛ من أهل سوادهم ( أي: أريافهم ) وأهل الريف والسواد أقرب حالاً من الذين يسكنون البوادي، ولهذا قال تعالى: ﴿ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا ﴾ [ التوبة: ٩٧ ]، وقال قتادة في
______
(١) رواه البخاري ( ٣٤٤٢ )، ومسلم ( ٢٣٦٥ )، وأبو داود ( ٤٣٢٤، ٤٦٧٥ ).
(٢) صحيح: رواه أبو داود ( ٤٦٧٤ )، وصححه الألباني في صحيح الجامع ( ٥٥٢٤ ).