تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 304
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
قوله: ﴿ مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ﴾ لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمود، وفي الحديث الآخر: أن أعرابياً وهب للنبي ﷺ ناقة، فلم يزل يعطيه ويزيده حتى رضي؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ أَنْصَارِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ أَوْ دَوْسِيٍّ » (١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج حدثنا شعبة عن الأعمش عن يحيى بن وثاب عن شيخ من أصحاب رسول الله ﷺ، قال الأعمش: هو ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: « الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ » (٢).
وهذه المسألة لها أهمية كبيرة للدعاة إلى الله عز وجل وأهل العلم، ومن يُصَدَّرُ لقيادة الناس، في الاهتمام بلين الجانب ورقة الطباع، والاختلاط بالناس مع تحمل أذاهم، وكف الأذى عنهم، ولا يمكن أن تنتشر الدعوة إلا بذلك؛ ولا يحب الناس ولا ينقادون إلا لمن كان معاشراً لهم بالحسنى، لا الذي يعتزهم، ولا الذي يخالطهم بالغلظة والفظاظة والجفاء، قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [ آل عمران: ١٥٩ ].
وإذا كان الله - سبحانه - قد اختار لقيادة البشرية الأنبياء من أهل القرى؛ فينبغي أن لا يُصَدَّرَ في قيادة الناس أهل الجفاء والشدة؛ فإن تصديرهم بلاء على الأمة وهلاك فيها، كما كان الحجاج بن يوسف هو المبير، أي: المهلك، كما أخبر النبي ﷺ: « أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا » (٣)، فالكذاب: المختار الثقفي؛ والمبير: الحجاج، فكانت سنة ظالمة في المسلمين، وقد دعا الحسن فقال: ( اللهم أنتَ قَطَعْتَهُ عَنَّا، فَاقْطَعْهُ عَنَّا ).
______
(١) صحيح: رواه أحمد ( ٢٦٨٢ )، وأحمد ( ٧٣١٦ )، وحسنه الألباني في صحيح الجامع ( ٢٠٧٢ ).
(٢) صحيح: رواه ابن ماجة ( ٤٠٣٢ ) بلفظ « أعظم أجراً من المؤمن » بدل « خير من الذي »، وأحمد ( ٥٠٠٢، ٢٢٥٨٨ ) بلفظ « أعظم أجراً من الذي »، وصححه الألباني في صحيح الجامع ( ٦٦٥١ ).
(٣) رواه مسلم ( ٢٥٤٥ )، والترمذي ( ٢٢٢٠ )، وأحمد ( ٥٥٧٥ ).