تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 306
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
زعم حياة النبي ﷺ في قبره كحياة الناس على ظهر الأرض، ليست الحياة البرزخية، فإنها أكمل حياة له ﷺ في الرفيق الأعلى، من زعم حياته كحياة الأحياء من الناس فقد كذّب الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ﴾ [ الزمر: ٣٠ ]، وفي الحديث الصحيح أن جبريل الﷺ قال للنبي ﷺ: ( عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ ) (١)، وفي الحديث الذي رواه البخاري أن أبا بكره قال: ( مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﵊ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ) (٢)، وسياق الآية أصلاً لإثبات مسألة بشرية الرسول ﷺ وسائر الرسل والرد على المشركين في إنكار رسالة البشر.
وأما مسألة الرسالة والنبوة في الجن، فهذه الآية تثبت أن الرسل رجال من أهل القرى، وكما ذكر ابن كثير: حديث « الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ » الحديث، وهذا قول عامة أهل السنة، وأما قوله تعالى: ﴿ يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ [ الأنعام: ١٣٠ ] فلا يدل على أن من الجن رسلاً لأن الخطاب للثقلين معاً، فهو يتحقق بوجود رسل من البشر، وليس من دليل على الوحي إلى الجن، ولا نزاع أن رسول الله ﷺ رسول إلى الإنس والجن جميعاً، كما دلت عليه سورة الأحقاف وسورة الجن، وأن منهم منذرين قال تعالى: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [ الأحقاف: ٢٩ - ٣١ ]، فدلت هذه الآية على أن الجن كانوا مطالبين ومخاطبين بشريعة موسى الﷺ ثم صاروا مطالبين ومخاطبين بشريعة محمد ﷺ، كما أن النقص الجبلي في الجن بالنسبة إلى الإنس يدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى
________
(1) رواه البخاري ( ٤٠١ )، ومسلم ( ٥٧٢ )، والنسائي ( ١٢٤٢ )، وأبو داود ( ١٠٢٠ ).
(2) رواه البخاري ( ٣٦٧٠ )، وابن ماجة ( ١٦٢٧ )، وأحمد ( ٢٧٨٠٧ ).