تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 307
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [ الإسراء: ٧٠ ]، كما يدل عليه أمر أبي الجن بالسجود لأبي البشر آدم الﷺ، وقول إبليس عن ذلك: ﴿ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ [ الإسراء: ٦٢ ]، والواقع المشاهد يدل على نقص علم الجن وخفة عقولهم، وطيش تصرفاتهم في الجملة إلا من رحم الله، وهذا كله مما يقتضي عدم وجود رسل ولا أنبياء منهم، والله أعلم.
المسألة الرابعة: الوصف بالرجولة يقتضي جملة من صفات الكمال لا يقتضيها الوصف بمجرد الذكورة، ولذا جاء هذا الوصف في سياق المدح في مواضع كثيرة من القرآن منها هذا الموضع، ومنها قوله تعالى عن مؤمن آل ياسين: ﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ﴾ [ يس: ٢٠ ]، ومنها قوله تعالى عن الرجل الذي أبلغ موسى الﷺ بمؤامرة الملأ من قوم فرعون به ليقتلوه: ﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلوكَ ﴾ [ القصص: ٢٠ ]، ومنها قوله تعالى: ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ [ الأحزاب: ٢٣ ].
فصفات الرسل وأخلاقهم أكمل الصفات وأكرم الأخلاق، قال تعالى عن نبيه ﷺ: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [ القلم: ٤ ]، ولأن الرسل أكمل الخلق إيماناً فهم أحاسنهم أخلاقاً فـ « أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا » (١) كما قال النبي ﷺ، وجملة ذلك أنهم موصوفون بكل خلق جميل ليقتدي الناس بهم في هذه الأخلاق، وإليك أخي الكريم جملة من هذه الأخلاق، وهي مفصلة في كتب التهذيب والرقاق والأدب ولكن أحببت أن أجملها هنا لنزن أنفسنا بها، وننظر إلى حالنا في التشبه بهم والقرب منهم:
الصدق في القول والعمل مع الله ومع الناس، وترك الكذب بالكلية، والصبر واحتمال أذى الخلق والحلم عنهم، وكظم الغيظ وكف الأذى، وعدم الانتقام للنفس
________
(1) صحيح: رواه الترمذي ( ١١٦٢ )، وأبو داود ( ٤٦٨٢ )، وأحمد ( ٧٣٥٤ )، وصححه الألباني في صحيح الجامع ( ١٢٣٠ ).