شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 312

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

﴿ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوٰةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ۝ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [ فاطر: ٥ - ٦ ].

فحقيقة الأمر أنه صراع حول قضية العبودية، هل تكون لله وحده كما يريد أولياء الرحمن وهم رسل الله وأتباعهم؟ أم تكون للشيطان والطاغوت بتوسط آلهة كثيرة متعددة؟ هذه المعركة لا تحسمها القوة المادية ولا أنواع التخطيط والمكر والكيد، إنما يحسمها مدى تمسك أهل الإيمان بعقيدتهم ومنهجهم وثباتهم على ذلك وعملهم بمقتضى منهجهم في مجتمعهم، ودائماً يبدأ الأمر بقوة أهل الباطل الظاهرة - على الرغم من ضعفها في حقيقة الحال - ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [ النساء: ٧٦ ]، ويتحرض أهل الإيمان للاستضعاف والامتحان والبلاء والبطش والإيذاء، ويُقتل منهم من يُقتل، ويُفتن كثير ممن ينتسب إليهم، ولا يدري حقيقة الطريق، ومع ذلك ومع تمكن الباطل وكثرة عدده وعُدده يُنْقِصُ الله الأرض من أطرافها شيئاً فشيئاً بظهور الإسلام وقبول الناس تدريجياً لنور الإيمان: ﴿ أَفَلَمْ يَرَوْنَا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾ [ الأنبياء: ٤٤ ]، إلى أن تتربى الطائفة المؤمنة على ما يحب الله ويرضى من العقيدة والعمل والسلوك، وتترابط وتتماسك وتتحاب في الله حتى تكون جسداً واحداً، وتزكو وتنمو وتؤهل لقيادة البشر، ويكتمل فيها الإسلام والإيمان والإحسان، فعند ذلك يأذن الله باضمحلال قوة الباطل ومجيء الحق: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [ الإسراء: ٨١ ].

فتتغير الموازين وتتبدل الأحوال، وينزع الله الملك من أعدائه ويؤتيه أولياءه، ويُمكِّن لهم في الأرض: يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويأمرون بالمعروف - الذي يرأسه توحيد الله واتباع رسوله ﷺ -، وينهون عن المنكر - الذي يرأسه الشرك بالله ومخالفة رسوله ﷺ -، ولله عاقبة الأمور، ويصبح أهل الباطل وعبّاد الطاغوت مجرد أخبار وأحاديث يتعظ بها أهل الإيمان في الحلقات التالية لهذا الصراع، ويعرفون بها

الصفحة السابقة الصفحة التالية