شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 319

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

النصر والفرح بعد الشدة والياس

عند التأمل والتجربة من أعظم أسباب الراحة والطمأنينة لعباد الله المؤمنين لأن لهم في الرسل الأسوة الحسنة، وورود الخواطر حتى بظن أن الوحي ما أتاهم أو أن النصر لن يأتي لا ينافي ما ثبت من عصمتهم، فإن الخواطر من عوارض البشرية لا دليل على امتناعها على الرسل، إنما المنع من الاعتقاد الباطل أو الشك، أما ورود الخواطر التي يجاهدونها ويدفعونها فأين في الكتاب والسنة أو الإجماع المنع من ذلك، وقد ورد نحوٌ من هذا في الكلام على هم يوسف عليه السلام، وأما كون هذا من أسباب راحة المؤمنين لأن لحظات الشدة قد يكون معها هذه الخواطر والتي يتفاوت الناس كثيراً جداً في حجمها ومدتها وبقائها، فمنهم من تأتيه كوميض برق مفزع لصاحبه يزول بأسرع ما يكون ويأتيه بعده برد اليقين ومطر الإيمان المتتابع الذي يثمر في أرض القلب أنواع الخيرات والثمرات الزكية ويدرك به فضل الله عليه في التثبيت وأنه لا يملك لنفسه شيئاً وأنه والله لولا الله ما اهتدى.

وتأمل قول الله - عز وجل - لنبيه محمد ﷺ: ﴿ وَإِن كَادُوا۟ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥ وَإِذٗا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ۝ وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَاكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ۝ إِذٗا لَّأَذَقۡنَكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥].

ولا شك أن الركون إلى الكفرة في افتراء غير الحق على الله عز وجل هو من هذا الجنس من الخواطر، تزول ولا تستقر، يعرف بها المؤمن اتباعا لرسل الله - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - أنه « مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهْوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ » (١)، ولا يزال دأبه في كل لحظة الالتجاء إلى الله سبحانه، والفرار منه إليه، قائلاً داعياً متضرعاً: « يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ » و « اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ ».

______

(١) رواه مسلم (٢٦٥٤)، والنسائي (٧٧٣٨) في الكبرى، والترمذي (٢١٤٠)، وابن ماجة (١٩)، وأحمد (٦٥٦٩)، وقد ورد في بعض روايات الحديث الدعاء الذي يليه بلفظ: « يا مقلب القلوب » وفي بعضها بلفظ: « يا مصرف القلوب ».

الصفحة السابقة الصفحة التالية