شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 320

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

النصر والفرج بعد الشدة واليأس

وهذه الخواطر ليست شكاً، بل هي مرحلة بين طمأنينة القلب التي سألها إبراهيم العليلام، وبين الشك الذي نفاه رسول الله ﷺ عن إبراهيم العليلام حين قال: « نَحْنُ أَحَقُّ بالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ » ⁽¹⁾، وهناك من المؤمنين من تتكرر عليه هذه الخواطر أكثر من ذلك، ويجد بسببها ما أن يخر من السماء أهون عليه من أن يتكلم به، ويظل مجاهداً لذلك كثيراً، وهذا صريح الإيمان كما أخبرنا بذلك رسول الله ﷺ، وعساه باستمرار الجهاد أن يصل إلى برد اليقين ومهيمنية ⁽²⁾ الصديقين، فتنقطع عنه الوساوس والخطرات، ويلحق بمن سبقه من السابقين بالخيرات.

وإخبار القرآن عن وقوع الخواطر من الرسل وأتباعهم المؤمنين - على الوجهين من التفسير - يبرد في قلوب المؤمنين حر هذا الجهاد، ويثبت قلوبهم، ويبشرهم بأن هذا الذي وجدوه لا يدل على انتفاء الإيمان من قلوبهم - وهو أحب شيء إليهم -، وزواله وحصول ضده من الشرك أو التكذيب أكره عندهم من الحرق بالنار، بل إيمانهم بحمد الله باق، وعن قريب تزول هذه الخواطر، بل ويزول تسلط الأعداء، ويأتي نصر الله القريب.

وهناك صنف ثالث لا يعرف حقيقة الطريق، ويظن أنه لا يفتن، بل تكفيه دعوى الإيمان، فإذا جاءت المحن والفتن افتتن، وظن أنه ﴿ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ وأنه ﴿ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ ﴾، وهذا النوع الذي في قلبه مرض، ولو تأملت الآيتين في الأنفال: ﴿ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ ﴾ [ الأنفال: ٤٩ ]، وفي الأحزاب: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [ الأحزاب: ١٢ ] لوجدتهما يذكران نوعين من الناس ( المنافقين ) و( الذين في قلوبهم مرض )، فالمنافقون في الأصل يعتقدون أن الرسل قد كذبت، أو عندهم شك في ذلك ابتداءً، وهذا مثل قول من قال: ظنوا، أي: ظن الكفار أن الرسل

______

⁽¹⁾ رواه البخاري ( ٣٣٧٢ )، ومسلم ( ١٥١ )، وابن ماجة ( ٤٠٢٦ )، أحمد ( ٨١٢٩ ).

⁽²⁾ أي مراقبتهم لله سبحانه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية