تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 321
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
النصر والفرج بعد الشدة واليأس
قد كذبت، وأما الذين في قلوبهم مرض، فهم الذين كان إيمانهم وعبادتهم على حرف، فعند الفتنة افتتنوا، فهم في الأصل لم يكونوا منافقين النفاق الأكبر، ولكنهم عند الفتنة سقطوا فيه والعياذ بالله، ويدلك على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ﴾ [ الحج: ١١ ]، فهو دليل على أنه قبل الفتنة لم يكن منقلباً ولم يكن خاسراً الدنيا والآخرة، وإنما خسر الدنيا والآخرة لما انقلب لما جاءته الفتنة، فكان عنده قبل ذلك إيمان ناقص ضعيف، لا يثبت عند المحن، لو شكك لشك، ولو فتن لافتتن، وهو كحال مسلمة الأعراب - على قول جمهور المفسرين - أنهم لم يكونوا منافقين النفاق الأكبر، وكان في قلوبهم مرض، فهم مسلمون وليسوا بمؤمنين الإيمان الواجب، وكذا من قال الله فيهم: ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ﴾ [ الأحزاب: ١٤ ]، ولو كانوا قبل دخول الكفار عليهم المدينة - لو حدث - من نواحيها منافقين، لفرحوا بهم ولما احتاجوا أن يسألوهم الفتنة أي: الشرك، بل كانوا يبادرون إليها، وأما هؤلاء فهم يؤتون الفتنة بعد توقف قليل ﴿ وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ﴾، وهذه النوعية الضعيفة الإيمان موجودة في الصف المسلم، ووجودها في المراحل الأولى للدعوة خطر كبير عليها، لأن الأوائل هم الذين سيتصدرون بعد حين في قيادة الأمة بل العالم، إمامةً وعلماً، وروايةً ودراية، وتربيةً وتوجيهاً، ودعوة وجهاداً، وملكاً وسلطاناً، فلو بقيت الأمور بلا تمحيص، لتصدر مثل هؤلاء، فيحصل من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، فيقدر الله الابتلاء الذي يصل إلى حد اليأس من الناس ومن النفس، وحتى تأتي الخواطر السيئة لأهل الإيمان، وحتى تحصل الفتنة لهذا الصنف من الناس، فيتخلف ويتراجع، ويفتن ويشك، وينسحب ويتساقط من الزلزلة، فيصفو الصف المؤمن، ويعرف فيه من يصلح ومن لا يصلح.
وأما الكفار والمنافقون فهم على ظنهم واعتقادهم الفاسد من البداية، لكنهم يرون في استبطاء النصر دليلاً على ظنهم، وهذه فتنة لهم ليزدادوا إثماً وطغياناً وكبراً، ثم