تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 323
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
يتركون الطريق ويتركون نصرة الدين، وتهمهم أنفسهم ويظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية من إنكار القدر، فظن أن الأمور إنما تتم حسب تخطيط الكفار ومكرهم وليس بأمر من الله وقدره هو من ظن الجاهلية، وكذلك إنكار الحكمة في حصول التسلط العنيف والضربات المتتابعة مع أن المؤمنين على الحق والكفار على الباطل فيحصل الريب والشك لطوائف، وكذلك ظن اضمحلال الدين وكل هذا من ظن الجاهلية، وهو والله يقع من طوائف عند شدة المحنة، ونسأل الله العافية، فعند ما يجد المؤمنون والدعاة والمجاهدون بعض من معهم يقع ويسقط في الفتن، يتذكرون حال الرسل الذين استيأسوا من إيمان قومهم وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم، ومع ذلك فهم عازمون على الثبات والسير في الطريق ولو وحدهم، فيعزمون مثلهم على ذلك، وهذا من أعظم وأربح التجارات مع الله - سبحانه - فهو يثاب هذا الثواب بعزمه على السير إلى الله وحده ولو لم يقع ذلك، لكنه يقدر له ما يظن معه انسحاب كل من معه ليعزم على الانفراد لله ثم يأتيه النصر فيجمع الله له خير الدنيا والآخرة كما قيل:
@@ ولواحدٍ كُنْ وَاجِداً في وَاحِدِ... أعني طريقَ الحقِّ والإيمانِ (١)
أي: لله الواحد، سائراً ولو وحدك في طريق واحد هو طريق الحق والإيمان.
وأما إنكار عائشة - رضي الله عنها - للقراءة الأخرى وهي متواترة عندنا الآن فلأنها لم تسمعها من رسول الله ﷺ بل ولم تبلغها من طريق تقوم بها الحجة عندها فهي معذورة بعدم البلاغ، ففيه دليل على أن من أنكر شيئاً من الدين - بل ومن القرآن - لم تبلغه الحجة به فهو معذور، ولا عذر لمن بلغته الحجة، والله أعلم.
وبهذا الجمع - بحمد الله - يتضح لك فائدة جمع أقوال السلف في تفسير الآية، وكذا جمع القراءات وتوجيهها، فكل منها يدلك على معنى حق من معاني الإيمان ويتناول جانباً من جوانب الواقع يعالج ما يقع في النفوس ويشفي به الله صدور.
______
(١) من نونية ابن القيم.