شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 333

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

إلى الله، فلما دخل السجن، استمر على ذلك، ودعا الفتيين إلى التوحيد، ونهاهما عن الشرك، ومن فطنته ﴿ﷺ﴾ أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته، حيث ظنا فيه الظن الحسن، وقala له: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وأتياه لأن يعبر لهما رؤياهما، فرآهما متشوقين لتعبيرهما عنده، رأى ذلك فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبر رؤياهما، ليكون أنجح لمقصوده، وأقرب لحصول مطلوبه، وبيّن لهما أولاً أن الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم، إيمانه وتوحيده وترك ملة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاء لهما بالحال، ثم دعاهما بالمقال، وبيّن فساد الشرك وبرهن عليه، وحقيقة التوحيد وبرهن عليه.

ومنها: أنه يبدأ بالأهم فالأهم، وأنه إذا سئل المفتي، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد، فينبغي له أن يُعلّمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله، فإن هذا علامة على نصح المعلم وفطنته، وحسن إرشاده وتعليمه، فإن يوسف ﴿ﷺ﴾ ـ لما سأله الفتيان عن الرؤيا ـ قدم لها قبل تعبيرها دعوتها إلى الله وحده لا شريك له.

ومنها: أن من وقع في مكروه وشدّةٍ، لا بأس أن يستعين بمن له قدرة على تحليصه، أو الإخبار بحاله، وأن هذا لا يكون شكوى للمخلوق، فإن هذا من الأمور العادية فقد جرى العرف باستعانة الناس بعضهم ببعض، ولهذا قال يوسف ﴿ﷺ﴾ للذي ظن أنه ناج من الفتيين: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾.

ومنها: أنه ينبغي ويتأكد على المعلم استعمال الإخلاص التام في تعليمه، وأن لا يجعل تعليمه وسيلة لمعاوضة أحد في مال أو جاه أو نفع، وأن لا يمتنع من التعليم، أو لا ينصح فيه، إذا لم يفعل السائل ما كلفه به المعلم، فإن يوسف ﴿ﷺ﴾ قد قال ووصى أحد الفتيين أن يذكره عند ربه فلم يذكره ونسي، فلما بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف ﴿ﷺ﴾، أرسلوا ذلك الفتى وجاءه سائلاً مستفتياً عن تلك الرؤيا فلم يعنفه يوسف ﴿ﷺ﴾، ولا وبخه، لتركه ذكره، بل أجابه عن سؤاله جواباً تاماً من كل وجه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية