التربية على منهج أهل السنة
الشيخ أحمد فريد • التربية والأسرة • ص 4
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وقصدت رضي الله عنها فرض قيام الليل بقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِّصْفَهُۥ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ وقصدت بالتخفيف الآية الأخيرة من السورة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلْلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ وَٱللهُ يُقَدِّرُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ عَلِمَ أَن لن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠].
أليس من الغريب العجيب أن يُفرض قيام الليل قبل أن تُفرض الصلوات الخمس، وقبل أن تنزل الحدود؟! وإنما كان ذلك كذلك تربيةً لهذه الأمة ورفعًا لمستواها الإيماني، وكان مما يُمُرُّ القرآن المكي تقرير وتكرير أمور الآخرة على القلوب والأسماع، حتى يصير المسلم وكأنه يراها بعيني رأسه، وكذا كثرة القصص الذي يسلي المؤمنين ويزيد ثقتهم بنصر الله رب العالمين، فلما نزلت الحدود والتشريعات بعد ذلك سارع الصحابة رضي الله عنهم إلى امتثال أوامر الله عَزَّ وَجَلَّ.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «أَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ -تعني رضي الله عنها سورة المدثر، وهي ثاني السور نزولاً، يقول الله عَزَّ وَجَلَّ فيها: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةً﴾ [المدثر: ٣١]، ويقول عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ (٤٠) عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٣٨-٤١]- فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ نَزَلَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: «لَا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ»؛ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الْخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: «لَا تَزْنُوا»؛ لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]، وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ»(١).
فلا شك في أن النبي ﷺ في مكة كان أكبر همه تربية الصحابة الكرام، ومن أجل الاهتمام بالتربية أمروا بكف الأيدي وإقامة الصلاة وإيتَاءِ الزكاة. قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [النساء: ٧٧]، ومن أجل الاهتمام بالتربية أيضًا نُهوا عن رد الاعتداء بالاعتداء، وأمروا
____________________
(١) رواه البخاري (٤٩٩٣).