شرح صحيح مسلم
الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 182
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. فَقَدْ أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي طَالِبٍ. وَكَذَا نَقَلَ إِجْمَاعَهُمْ عَلَى هَذَا الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ. وَهِيَ عَامَّةٌ فَإِنَّهُ لَا يَهْدِي وَلَا يُضِلُّ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ الْفَرَّاءُ وَغَيْرُهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَنْ أَحْبَبْتَ) يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَعْنَاهُ مَنْ أَحْبَبْتُهُ لِقَرَابَتِهِ(١)، وَالثَّانِي مَنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يَهْتَدِيَ(٢).
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ وَغَيْرُهُمْ: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) أَيْ بِمَنْ قُدِّرَ لَهُ الْهُدَى(٣). وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُه: (يَقُولُونَ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لَأَقْرَرْتَ بِهَا عَيْنِكَ) فَهَكَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ وَجَمِيعِ رِوَايَاتِ الْمُحَدِّثِينَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ (الْجَزَعُ) بِالْجِيمِ وَالزَّايِ. وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَنْ جَمِيعِ رِوَايَاتِ الْمُحَدِّثِينَ وَأَصْحَابِ الْأَخْبَارِ أَيْ التَّوَارِيخِ وَالسِّيَرِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ إِلَى أَنَّهُ (الْخَرْعُ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ أَيْضًا. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ كَذَلِكَ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ وَنَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ مُخْتَارًا لَهُ. وَقَالَهُ أَيْضًا شَمِرٌ. وَمِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّمَخْشَرِيُّ.
________
(1) ذكر القرابة على سبيل المثال.
(2) أي من أحببت هدايته، قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. أحببت إما بمفعول الشخص نفسه؛ أي من أحببت، أو أنك لا تهدي من أحببت، وعلى القول الأول تكون هذا المحبة فطرية، وهي تنصرف إلى محبة الهداية، ولذلك القولان متقاربان والقول الثاني أخص؛ لأنه أحب له الهداية فقط، ولم يحبه هو وإنما أحب فيه أن يهتدي.
(3) أي: أعلم بمن يقبل الهدى ويستجيب له، فهو سبحانه وضع الأشياء في مواضعها.