شرح صحيح مسلم
الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 317
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
صَغِيرِهِمْ، وَتَخَوُّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ(١)، وَتَرْكِ غِشِّهِمْ وَحَسَدِهِمْ، وَأَنْ يُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَكْرَهَ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَالذَّبَّ عَنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِمْ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَحَثِّهِمْ عَلَى التَّخَلُّقِ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنْوَاعِ النَّصِيحَةِ، وَتَنْشِيطِ هَمَّهُمْ إِلَى الطَّاعَاتِ. وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ مَنْ تَبْلُغُ بِهِ النَّصِيحَةِ إِلَى الْإِضْرَارِ بِبُدْنِيَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا آخَرُ مَا تَلَخَّصَ فِي تَفْسِيرِ النَّصِيحَةِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ:
أَنَّ النَّصِيحَةَ تُسَمَّى دِينًا وَإِسْلَامًا وَأَنَّ الدَّيْنَ يَقَعُ عَلَى الْعَمَلِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْقَوْلِ(٢).
قَالَ: وَالنَّصِيحَةُ فَرْضُ يَجْزِي فِيهِ مَنْ قَامَ بِهِ، وَيَسْقُطُ عَنْ الْبَاقِينَ(٣).
قَالَ: وَالنَّصِيحَةُ لَازِمَةٌ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ(٤) إِذَا عَلِمَ النَّاصِحُ أَنَّهُ يُقْبَلُ نُصْحَهُ، وَيُطَاعُ أَمْرُهُ(٥)، وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَكْرُوهَ، فَإِنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ أَذًى فَهُوَ فِي سَعَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
______
(١) أي يتابع بينها على رفق ومهل ولا يكرر الموعظة كل حين وكل وقت، بل يختار الوقت المناسب للموعظة.
(٢) أدخل البخاري ومسلم رحمهما الله هذا الحديث في كتاب الإيمان وإذا كان الدين هو النصيحة فالدين هو الإيمان والإسلام، فالنصيحة التي تشمل على ما وضحنا من العمل، فالعمل إذاً من الإيمان.
(٣) يعنى بهذا المعنى الخاص جدًّا للنصيحة وهو النصح لأئمة المسلمين وعامتهم، وإلا فالمعنى العام النصيحة التي هي لله ولرسول ولكتابة فرض على الأعيان، والنصيحة التي بمعنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي فرض على الكفاية، إذا قام به البعض حتى وجد المعروف الواجب، وزال المنكر المحرم سقط الحرج عن الباقين، وإلا أثم كل قادر.
(٤) هذا مما لا نزاع فيه؛ لأن الله عَزَّ وَجَلَّ قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وأن النبي ﷺ قال: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧)، وأحمد (٧٣٢٠)، والنسائي (٢١٦٩)، وابن ماجة (٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٥) فهذا فيه نظر، وليس على إطلاقه، بل حتى لو علم الناصح أنه لا يقبل نصحه لكان عليه أن ينصح طالما كان للنصح فائدة ومنفعة سواء للمنحوص له أو لغيره وسواء كان نفعه عامًا أو خاصًا، وسواء كان عاجلاً أو آجلاً، فلا يلزم أن يكون النفع بقبول الكلام، قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]، والفعل في