شرح صحيح مسلم
الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 48
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
قَوْلُهُ: (فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) (1) هُوَ بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ. قَالَ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ: مَعْنَاهُ جُعِلَ وَفْقًا لَنَا وَهُوَ مِنَ الْمُوَافَقَةِ الَّتِي هِيَ كَالْإِلْتِحَامِ يُقَالُ أَتَانَا لِيِفَاقَ الْهِلَالِ أَيْ حِينَ أَهَلَّ لَا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ، وَهِيَ لَفْظَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ الِاجْتِمَاعِ وَالِاِلْتِئَامِ، وَفِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ (فَوَافَقَ لَنَا) بِزِيَادَةِ أَلِفٍ، وَالْمُوَافَقَةُ: الْمُصَادَفَةُ. قَوْلُهُ: (فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي) يَعْنِي صِرْنَا فِي نَاحِيَتَيْهِ.
جعل للعباد قدرة لم يكن للعبادة قدرة، ففعل الإنسان ينتج عن قدرته وإرادته، والنسان وقدرته وإرادته خلقهم الله عزَّ وجلّ وهم من آثار قدرة الله وإرادته.
أما مسألة تكفير القدرية:
فالأوائل الغلاة كمعبد الجهني وغيره الذين يُصرحون بنفي القدر صراحةً، مع تصريح القرآن ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فلفظ القدر نفسه موجود في القرآن، فعندما ينفي القدر كلية وينفي علم الله عزَّ وجلَّ وهو معلوم من الدين بالضرورة، فلا شك في كفرهم، وهذا الذي يظهر من قول ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كما يأتي إن شاء الله.
أما متأخري القدرية فلازم قولهم نَفْي العلم كما قال عمر بن عبد العزيز: "ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن أنكروا كفروا" انظر شرح الطحاوية (٢٤٧)، وهو مروي عن الإمام أحمد؛ لأنهم إن أقروا بأن الله تعالى خلق الذوات بإرادته وأقروا بأن الله يعلم أنهم سوف يفعلون ذلك، وكان قادرا عَزَّ وَجَلَّ ألا يخلقهم، ولو قالوا: خلقهم رغما عنه، فقد أثبتوا قدم العالم وهي نظرية الفيض، والمعتزلة ينكرون ذلك، يقولون أن الله هو الذي خلق الكائنات بإرادته، فنقول لهم وكان قادراً ألا يخلقهم، وقد خلقهم وهو يعلم أنهم سوف يفعلون إذا هو أراد، لا يحتمل غير ذلك، وهذا معنى (ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خصموا) أي خصموا في إثبات الإرادة بمعنى غُلِبُوا، ورغماً عنهم لابد أن يقروا بإرادة الله؛ لأنه لو أراد الله ألا يعصى، لما خلق إبليس ولما خلق الكفرة ولما أوجدَهُم أصلاً وهو يعلم أنهم يكفرون، وهو قادر ألا يخلقهم، فأراد أن يخلقهم وهو يعلم، وهو قادر ألا يخلقهم دليل على أنه يقع ذلك، وإن أنكروا والعلم وقالوا لا يقروا.
______
(1) فِي قَوْلِ (يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) فهذه جزئية هامة في هذا المنهج العظيم الذي ينبغي عند ورود الشبهات سؤال أهل العلم، وأهل العلم هم أصحاب رسول الله ﷺ، وهذا هو المنهج السلفي الذي لا محيد عنه وهو الرجوع إلى أقوال الصحابة وفهمهم عند ورود الشبهات.