شرح صحيح مسلم
الشيخ ياسر برهامي • علوم الحديث • ص 52
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
وَقَوْلُهُ: (فَأَنْفَقَهُ)، يَعْنِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى(١)، أَيْ طَاعَتَهُ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى.
فَعِلْتَ قَالَ مَنْ خَشْيَتِكَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ فَغَفَرَ لَهُ.] وهذا لفظ البخاري، فهذا الرجل جاهل؛ لأنه أثبت القدرة عمومًا وخصص منها صورة، فتخصيص الصورة من هذه الناحية، بأنه قال أن هناك صورة معينة يمكن ألا يقدر عليها الله ﷻ فهذا لجهله يحتاج لإقامة الحجة، والقدرية الذين أنكروا قدرة الله، هم القدرية المتأخرين الذين لا تكفرهم حتى تقام عليهم الحجة، أنكروا قدرة الله على أفعال الإختيارية، وهم يثبتون القدرة على خلق الذوات ولا يثبتونها على الأفعال، وهذا كفر ولكن لا يكفرون لوجود الشبهة حتى تقام عليهم الحجة، فالكلام على القدرية المتأخرين غير الكلام على القدرية المتقدمين.
وهناك احتمال أن يظن بعض الناس أن الإنسان لو كتم في نفسه شيئًا لا يعلمه الله، ويجوز ذلك ابن تيمية على السيدة عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عندما تكلم على حديث «مهما يكتم الناس يعلمه الله»، فقال رسول الله: «نعم» أخرجه مسلم (٩٧٤) وأحمد (٢٥٨٥٥)، والنسائي (٣٩٦٣)، فكأن شيخ الإسلام رَحِمَهُ اللَّهُ جعل ذلك استفهام من عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا والنبي ﷺ يجيب، وأنا لا أقول الحديث كذلك، ولكن ابن تيمية يجوز ذلك في الاستدلال بجواز الجهل ببعض الصفات وأنه لا يكون كفرًا، ويقول: إن حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يدل على ذلك، وفي الحقيقة أنه لا يدل؛ لأن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا في بعض الروايات قالت: «نعم» رواه مسلم (٩٧٤)، وعبد الرزاق في وصفه (٦٧١٢)، ورواه النسائي (۲۰۳۷)، وصححه الألباني في صحيح النسائي، وابن حبان (۷۱۱۰)، بدون ذكر " نعم " (لا من النبي ﷺ ولا من عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا)، فكأنها تقرر ذلك في نفسها وليس أنها تقول ذلك سؤلاً للنبي ﷺ والنبي يجيبها، كأنها كانت شاكة في ذلك فأجابها، والصحيح أنها ليست كذلك بل إنها قالت: نعم، فكأنها تسأل نفسها وتقرر ذلك في نفسها وتذكر نفسها بذلك، فهذا هو الصحيح وهو الظن بعائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، لكن شيخ الإسلام عنده أنه يمكن أن يجهل إنسان مثل هذا ولا يكفر؛ أى يجهل شمول علم الله لما في نفس الإنسان، قبل بلوغ الحجة التفصيلية.
______
(۱) فيه دليل على أن الإيمان شرط في قبول الأعمال فأركان الإيمان الستة كل منها شرط في قبول الأعمال؛ لأنه قال: «لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبًا فأنفقه في سبيل الله» فقال: «في سبيل الله» فعنده الإخلاص والإتباع؛ لأن الإنفاق في طاعة الله إتباع، وفي سبيل الله ظاهرها أنه مخلص، يريد وجه الله، ومع ذلك لا يقبل منه لوجود الكفر بأحد أصول الإيمان، فلو أنه أنفق مثل أحد ذهبًا في سبيل الله ولم يؤمن بجبريل ال عليه أو عادى جبريل عليه السلام عليه أو لم يؤمن باليوم الآخر أو لم يؤمن بالجنة كما كفر النصاري بالجنة فقالوا: "ليس فيها طعام ولا شراب "، فعن مصعب بن سعد قال: سَأَلْتُ أَبِي (قَلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) هُمُ الْحَرُورِيَّةُ قَالَ: لَا هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَمَّا الْيَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ وَأَمَّا النَّصَارَى كَفَرُوا بِالْجَنَّةِ وَقَالُوا لَا طَعَامَ فِيهَا، وَلَا شَرَابَ، وَالْحَرُورِيَّةُ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، وَكَانَ سَعْدٌ يُسَمِّيهِمُ الْفَاسِقِينَ.] أخرجه البخاري (٤٧٢٨)، أو لم يؤمن بالرسول ﷺ مثل الأحبار والرهبان، فربما تقرب بعضهم إلى الله بالعبادات