المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 101
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وقد يقول قائل: إذن؛ ما الدعاء؟ وهل يمنع أن يسأل الإنسان غيره؟ أليس الأموات حاضرين بدليل قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]؟
فنقول: ليس في الآية وجه للدلالة على أن الأموات يعاملون كالحاضرين، وإنما المعنى: أن أولياء الله ﷺ آمنون وفي نعيم، وهم في حياة برزخية، فغير صحيح أن النبي ﷺ حاضرٌ في قبره، يسمع من دعاه ويجيب دعاءه، وإنما يسمع من يسلم ويرد عليه السلام؛ لأن هذا هو الذي ورد به الدليل، وهذا الحضور -لو سلمنا به- فهو حضور مع الموت، فقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].
فإن قيل: هذه الآية في عُبّاد الأوثان.
فنقول: إن عُبّادَ الأوثان يعتقدون أنها صورٌ للملائكة، والملائكة قد تكون حاضرة ولكن لا اعتبار لهذا الحضور؛ لأن العبرة في المخاطب بالسؤال أن يكون حاضرًا بالأسباب الظاهرة، نشاهده ونسمعه، بخلاف أن نطلب من البعيد والغائب حيًّا كان أو ميًّا.
فمثلاً؛ لو أن إنسانًا يغرق وله شيخ حي غائب عنه فقال: أغثني يا سيدي فلان. أو: أدركني يا شيخ فلان، لكان مشركًا بالله شركًا أكبر؛ لأن الدعاء: هو الطلب على الغيب، والسؤال على الغيب، أي: يطلب من الغائب.
وذلك بخلاف ما إذا كان المطلوب منه حاضرًا، فمثلًا لو أن إنسانًا يغرق فقال: أدركوني، أغيثوني للحاضرين أو لمن يتوقع حضورهم بالأسباب الظاهرة، فهذا طلبٌ مباح، أما دعاء الجن والملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء، فهذا هو الشرك الذي أنزل الله ﷺ فيه هذه الآيات؛ لأن المشركين كانوا يعبدون الملائكة، ويقولون إنها بنات الله ﷺ، فأنزل الله فيهم هذه الآيات.
إذن فالدعاء على الغيب، أو الطلب من الغائب شركٌ، سواء أكان المدعو حيًّا أم ميًّا، فالأموات وإن كانوا أحياء عند الله ﷺ في برزخهم؛ إلا أنهم لا يسمعون إلا ما ورد الدليل أنهم يسمعونه، فهم يسمعون سلام من يسلم عليهم (١)، ويسمعون من يسأل الله لهم العافية، ويدعو.
______
(1) فقد ورد الخطاب لهم بذلك، كما في حديث أبي هريرة ﵂ أن رَسُولَ الله ﷺ أتى المَقْبَرَةَ، فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ». رواه مسلم (٢٤٩، ٩٧٤).
