المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 102
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
لهم، وإذا تأملنا في الدعاء للميت، نجد أن الحي هو الذي يدعو للميت، ولا يجوز أن يُسأل الميت قضاء الحاجات ولا أن يُدْعَى من دون الله (1). والآيات في هذا كثيرة؛ لأن هذا هو الشرك الذي وقع فيه عُبَّادُ الأوثان في عهد النبي ﷺ، وفي كل العهود.
٢- الذبح لغير الله:
ومن الشرك الذبح لغير الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، فإذا كانت الصلاة لغير الله شركًا، فالنحر لغير الله شرك أيضًا، فالذبح تعظيمًا عبادةٌ من العبادات؛ تَعَبَّدَنَا الله ﷻ بها، فقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163]، ﴿وَنُسُكِي﴾ أي: ذبحي، على أحد الوجهين، وقال النبي ﷺ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ» (2).
فمن يذبح لغير الله ﷺ مُعَظِّمًا لغير الله، فقد جعل لله ﷻ شريكًا في نسكه، واللام في «لغير الله» المقصود بها مُتَقَرِّبًا مُعَظِّمًا، وإلا فقد يقول العبد: أنا ذبحت للضيف، يقصد لأُكْرِمَ الضيف وأطعمه، أَمَّا الذبح الذي هو شرك؛ فهو ما كان بقصد التقرب والتعظيم لغير الله ﷻ، ولذلك فلا بد من اعتبار أمر النية (3)، فالذبح للقبور والذبح للجن لا يخرج عن العبادة بحال، كطلب السحرة والكهنة ممن يذهب لهم لعلاج المس الشيطاني مثلًا ذَبْحَ بعض الطيور وبعض الحيوانات، فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله لمن مات عليه ولا بد أن تقام الحجة على من يفعلونه، وذلك بتلاوة الآيات في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، ويبيّن لهم معنى النُّسُك.
______
(1) إن من أهل العلم من قال بسماع الأموات، ولكن هذا لا يجيز ولا يبيح دعاءهم من دون الله؛ لأن الدعاء عبادة لا تصرف إلا لله، وهؤلاء الأموات لا يملكون ضرًّا ولا نفعًا، راجع «التعليقات السنية» للمؤلف.
(2) رواه مسلم (1978).
(3) بعض العلماء المتأخرين قالوا: ما يُذْبَح للسلطان عند قدومه فهو مما أُهِلَّ به لغير الله، والصحيح أنه يُنْظَرُ لدلالة الحال: هل يذبحه إراقةً للدم أمام السلطان؟ أم يذبح له لكي يُكْرِمَهُ ويُطْعِمَهُ؟ فهذا هو الفرق المهم جدًّا، كما يقع في بعض مجالس الأعراب أنه إذا أتاهم ضيف فلابد أن يذبحوا، فهل المقصود بهذا إكرام الضيف بشيء يُذْبَح له؟ أم تقربًا له وتعظيمًا؟ فهذا فرق مهم لابد من التبيين فيه حتى لا يحدث فيه خلط، فإن كثيرًا من الناس إذا أتى له ضيف فلابد أن يذبح له، ولو أتى بلحم آخر دون أن يذبح لكان تقصيرًا في حق الضيف. أما إذا كان من باب التعظيم له والتقرب بإراقة الدماء فهذه هي العبادة.
