المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 104
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
الصحيح من أقوال أهل العلم، والخلاف في ذلك ضعيف جدًّا لمخالفته النصوص (١).
(١) بعض العلماء يقولون في ذبائح أهل الكتاب: «كُلٌّ منها ولو قال: باسم المسيح، أو باسم الصليب»، وهذا خلاف نص كتاب الله عز وجل، وخلاف سنة رسول الله ﷺ الواضحة النص، فهذا قول ضعيف، وخلافه غير معتبر.
وحجتهم: أن الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب وهو عز وجل يعلم أنهم يذبحون لغير الله.
والرد على ذلك: أن الله تعالى أحل لنا ذبائحهم التي أحلها لهم، ولم يُحِلَّ لنا ذبائحهم التي حرمها عليهم، وقد حرم الله عز وجل في كل الشرائع عبادةً غير الله، والشرك لم يُحِلَّه الله قط لأحد، والذبح لغير الله عز وجل شرك، وما أباح الله عز وجل لهم الخنزير، وهو يعلم أنهم يستحلون الخنزير، فهل دخل الخنزير في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، بالقطع لم يدخل، فدلَّ ذلك على أن طعام الذين أوتوا الكتاب الذي أحله الله لهم في شرعهم الذي أنزله الله عز وجل لنا.
وقد قال عز وجل: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا۟ اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]، فكل الأمم شرع الله لها أن تذكر اسم الله عز وجل على الذبيحة، لأن هذه الذبيحة نعمة من الله عز وجل، وإنما أذن الله لنا في إزهاق هذه الروح لمنفعتنا، فإذا لم نستأذن الرب ولم نذبح على ما أمرنا سبحانه فقد أُزهِقَتْ هذه الروح بغير إذن منه عز وجل وبالتالي فهي ميتة.
والنصارى وغيرهم يستحلون الميتة، ولا يرون لزوم الذبح، فهل هذا ضمن قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾؟ وقد حرم الله عز وجل الميتة على اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل، فاليهود والنصارى مُتَعَبِّدُونَ بالذبح والتسمية ومُتَعَبِّدُونَ بتحريم الميتة، وأنه لا تحل الميتة والمنخنقة، ومعلومٌ أن النصارى يعتقدون لزوم حكم التوراة لهم، والتوراة واضحةٌ جدًّا في التشديد في التزام شروط الذبح والتسمية ولزومهما، ولكنهم لا يلتزمون هذه الشروط في الذبح، واليهود هم الملتزمون بذلك، ولذلك لو أن إنسانًا في بلاد أوروبا أو أمريكا، ويريد أن يأكل طعامًا مذبوحًا فإنه يأكل طعام اليهود.
فالميتة والمُسَمَّى غير اسم الله عليه أو الذي أُهِلَّ به لغير الله لا يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾، فالذي يحل من طعامهم هو ما أحله الله لنا ولهم.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأصل في ذبائحهم الحل وأن الأصل أنهم يذبحون وأنهم يسمون، فتحمل ذبائحهم على الأصل فيها، وبعضهم يقول: «هم أهل كتاب فلا نسأل عن ذلك».
لكن الكلام هنا في هذه المسألة فيما إذا عرفنا أنهم ذكروا غير اسم الله، أو عرفنا أنهم لم يذبحوا وأنها ميتة؛ فهذا نقول فيه: الخلاف فيه غير سائغ، أما إذا لم تعلم فهذا هو الذي فيه الخلاف السائغ؟ ونرى أنه لا يجوز الأكل من هذه اللحوم المستوردة إلا إذا علمنا أن الذبح قد تم على ما شرع الله عز وجل لأن الأصل في الذبائح الحرمة، فقد قال النبي ﷺ: «فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قُتِلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي المَاءِ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَسَهْمُكَ قَتَلَهُ أَمِ المَاءُ؟، [رواه البخاري (١٧٥، ٥٤٧٥، ٢٠٥٤)، ومسلم (١٩٢٩)].
فجعل النبي ﷺ كونَك لا تدري هو العلة في المنع؛ فالأصل المنع عند الشك، قال الإمام النووي: «فِيهِ بَيَانُ قَاعِدَةٍ مُهِمَّةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَ الشَّكُ فِي الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ لِلْحَيَوَانِ لَمْ يَحِلَّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُهُ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، [«شرح صحيح مسلم» (٧٧/١٣)].
وبعض العلماء الذي يجيز أكل اللحوم المستوردة يقول: الأصل في ذبائح أهل الكتاب أنهم يلتزمون الذكاة المبيحة للحيوان.
والواقع أنهم في أوروبا وأمريكا لا يلتزمون بشيء من ذلك، بل إن الذبح محرمٌ في بعض البلاد وإذا ذبحوا لا يُسَمُّونَ شيئًا ولا يتعبدون بهذا الذبح، بخلاف المستورد من عند اليهود؛ لأنهم يتعبدون بالتسمية والذبح وعندهم شروط أشد، من بقايا الآصار والأغلال.
