المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 111
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
الجعل جَعْلُ كوني قدّر الله أن يكون فتنة، أما كونهما طائعين أم عاصيين، ولماذا فعل الله بهما ذلك؟ فالله تعالى أعلم؛ فقد كانا فتنة وكان هناك من يذهب من الناس إليهما، ويطلب منهما تعلم السحر، فَقَبْلَ أن يعلماه يقولان له: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ -وهذا بخلاف السحرة والشياطين الذين لا يُحذرون من الكفر- فإذا أصرَّ أن يتعلم ويكفر بالله وخرج منه نور الإيمان؛ علموه السحر.
وورد أثر بسند جيد -ومن العلماء من يضعفه-، ذكره ابن جرير الطبري: «عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدمت علَيَّ امرأةٌ من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته، حداثة ذلك، تسأله عن أشياء دخلت فيها من أمر السحر ولم تعمل به، فقالت عائشة رضي الله عنها لعروة: يا ابن أختي! فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ فيشفيها، فكانت تبكي حتى إنّي لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت، كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما وركبتِ الآخر، فلم يكن شيء حتى وقفنا ببابل، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ قلت: نتعلم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري فارجعي، فأبيت، وقلت: لا، قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت ففزعت ولم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا: أفعلت؟، فقلت: نعم، فقالا: هل رأيت شيئًا، فقلت: لم أر شيئًا، فقالا: لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فأربيتُ (١) وأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت فاقشعررت وخفت، ثم رجعت إليهما وقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت، فقلت: لم أر شيئًا، فقالا: كذبتِ لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري، فإنك على رأس أمرك (٢)، فأربيتُ وأبيت، فقالا: اذهبي إلى التنور فبولي فيه، فذهبت إليه فبلتُ فيه فرأيت فارسًا مقنعًا بحديد خرج مني فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه، فجئتهما، فقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟، قلت: رأيت فارسًا مقنعًا خرج مني فذهب في السماء حتى ما أراه، فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا وما قالا لي شيئًا، فقالت: بلى، لن تريدي شيئًا إلا كان، خذي هذا القمح فابذري فبذرت، وقلت: أطلعي، فأطلعت».
______
(1) أي: ما زلت مالكة لأمرك وأمرك بيدك.
(2) وأربب بالمكان إريابًا: إذا أقام ولم يبرح. انظر «تهذيب اللغة».
