المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 114
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فصل في اتخاذ القبور مساجد (١)
وقد سدَّ النبي ﷺ باب الغلو في الصالحين وبناء المساجد على قبورهم، بقوله ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ؛ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»(٢).
وهذا نص واضح في تحريم بناء المساجد على القبور، وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ فِي مَرَضِهِ اللَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: «يُحَحَرُ (٣) مَا صَنَعُوا»، وفي رواية أخرى قالت: «فَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»(٤).
إذاً؛ فلماذا دفن الصحابة النبي ﷺ في حجرته إلى جوار مسجده، في حجرة عائشة رضي الله عنها؟
______
(1) قول بعض المعاصرين: «إن عدم جواز الصلاة في المساجد التي بها قبور هو مذهب بعض المتأخرين والأمر يسير» هذا كلام منكرٌ وباطل، فكيف يلعن النبي ﷺ شيئًا أو فعلًا، ثم نقول عنه: أمر يسير.
وقد نبه عليه النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، كما في حديث سَمْرَة بن جُنْدَب، بل هذا الأمر شبه متواتر في الحقيقة كما ذكر الشيخ الألباني في كتاب «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد»، فقد ذكر ثلاثة عشر حديثًا صحيحًا عن ثلاثة عشر صحابيًا أو أكثر في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، فهذا مستفيض وشبه متواتر، والنبي ﷺ حذر من ذلك؛ لأن فيه فتنة عظيمة جدا.
والنبي ﷺ قبل وفاته حذر من أعظم البدع التي سوف تؤثر على أمته، حيث قال قبل وفاته بخمس: «إنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، أَلَا فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ، [رواه مسلم (٥٣٢)].
وفي رواية أخرى قال رسول الله ﷺ: «أَلَا إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى كُلِّ خَلِيلٍ مِنْ خُلَّتِهِ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ، [رواه مسلم (٢٣٨٣)]، وهذه الخطبة فيها رد على ثلاثة من أخطر البدع:
١- الجهمية المعطلة للصفات؛ لأن الرسول ﷺ قال: «وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ»، والخُلَّة شدة المحبة؛ فالله جل جلاله يحب النبي ﷺ أشد الحب.
٢- الرافضة الذين يَسُبُّونَ أبا بكر رضي الله عنه ويقولون: ليس بخليفة؛ فالرسول ﷺ أشار إلى خلافته بقوله ﷺ: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصَحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، لَا تَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ [أي: فتحة أو باب في المسجد] إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ». [رواه البخاري (٤٦٧، ٣٩٠٤)، ومسلم (٢٣٨٢)].
٣- الصوفية الذين يتخذون القبور مساجد، فقال ﷺ: «أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».
(2) رواه مسلم (٥٣٢).
(3) هكذا في الأصل، ولعلها: (يُحَذِّرُ).
(4) رواه البخاري (١٣٩٠، ٣٤٥٤)، ومسلم (٥٢٩).
