المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 115
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
التي عاشت فيها سنين بعده ﷺ؟ (١).
وذلك لكي يأتي من أراد زيارته إلى المسجد أولًا فيقصده للصلاة ويزور القبر تبعًا، وخشوا لو أنهم أبرزوا القبر أن يأتي الناس إلى القبر للصلاة عنده فيكون المصلي قاصدًا للقبر، فقالوا: لابد أن يقصد المسجد أولًا، فلا يستطيع أحد الوصول إلا إذا دخل المسجد أولًا.
لذلك نقول: إن قبر النبي ﷺ الذي صار كأنه في المسجد بعد اتساع المسجد؛ هذا وضعٌ خاصٌ استثنائي، لعدم جواز نقل المسجد، وعدم جواز نقل القبر، والحقيقة أن المسجد مبنيٌ قبل القبر قطعًا؛ لأن الرسول ﷺ هو الذي بنى هذا المسجد، ولم يزداد المسجد فضيلة بالتوسعة التي أدْخَلَت القبر فيه حتى صار القبر كأنه داخل المسجد؛ والحقيقة أن القبر حُوصر بعد هذه التوسعة لا يستطيع أحد أن يتخذه مسجدًا؛ إلا بأن يدخل إلى داخل الحجرة؛ فيصلي بداخلها؛ وهذا بحمد الله -تبارك وتعالى- لا يقع؛ استجابةً من الله جل جلاله لدعوة النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَتَنًا(٢) يُعْبَدُ»(٣)، وهذا ليس في أي مسجد آخر.
والمسجد الذي يُبنى بجوار قبر، حتى ولو كان القبر منفصلًا عن المسجد، فإنه إنما بني تعظيمًا للقبر وكي يُقصد المسجد من أجل القبر تبركًا بصاحب القبر، فهذا مما يدخل في النهي وقول النبي ﷺ: «... يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ».
وكذا من قصد القبر ولو كان بلا بناء ليصلي عنده -إليه أو بجواره- لكان ممن اتخذ القبر مسجدًا(٤).
______
(1) بالنسبة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فالذي يظهر أنها كانت تصلي في حجرتها بعد دفن النبي ﷺ وبعد دفن أبي بكر رضي الله عنه وهذا ليس بممنوع، فإذا دُفِن إنسان في منزله -مع كون ذلك خلاف الأولى والأفضل- وقال بعض أهل العلم بعدم الجواز لقول النبي ﷺ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا» [رواه مسلم (٧٨٠) وهذا لفظ أحمد (٨٠/٨٢)]؛ ويحمل الحديث على ظاهره أنه ينهى عن الدفن في البيوت- فهذا المكان يمكن أن يصلي المصلي فيه دون قصد القبر بالصلاة؛ فعائشة رضي الله عنها لم تكن تقصد إلى القبر فتصلي -فهذا قطعًا لم يحدث- بل كانت تصلي في بيتها، فمثل ذلك لا يُمنع منه، ولم تكن تأتي للقبر قصدًا، فلو أن إنسانًا دُفِنَ في بيته لم تحرم الصلاة فيه، بل يحرم أن يأتيه الناس من بعيد قاصدين الصلاة هناك لأجل القبر، ويحرم أن يُتَّخَذَ حوله بناء ويجعله وقفًا مسجدًا يقصد للصلاة؛ فلو بُنِي مسجد بجوار قبر، أو بُنِيَ من أجل قصد القبر فهذا يدخل في النهي، لكن لو أن أناسًا بيوتهم بجوار المقابر وملتصقة بها مباشرةً فليس بمُحرَّم أن يُصلوا في هذه البيوت؛ لأنها بيوتهم ولم يقصدوا القبور من أجلها، فهكذا عائشة رضي الله عنها بعد دفن الرسول ﷺ وصاحبه.
(2) هكذا في الأصل، ولعلها: (وَبَثَنًا).
(3) رواه مالك (٤١٦)، وأحمد (٧٣١١)، وصححه الألباني في «المشكاة» (٧٥٠).
(4) فالمكان الذي يُتخذ للصلاة يصير بذلك مسجدًا، والمَسْجِد إنما سمي مسجدًا للصلاة والسجود فيه، وفي الحديث المرفوع: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» [رواه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١)]، فجعل كل مكان هو صالح للسجود فيه يُسمَّى عند الصلاة فيه: مسجدًا.
