شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 128

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

فطلب الدعاء من المسلم الحي الذي يرجى صلاحه؛ مشروع، وذلك إذا كان في أمر أخروي، وأما إذا كان في أمر دنيوي فالأولى تركه، كما قال النبي ﷺ للرجل الأعمى الذي قال له: ادْعُ اللهَ لِي أَنْ يُعَافِيَنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنْ شِئْتَ أَخَرْتُ لَكَ وَهُوَ خَيْرٌ وَإِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ»، فَقَالَ: ادْعُهُ، -وفي رواية قال: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ قَدْ شَقَّ عَلَيَّ ذَهَابُ بَصَرِي- فأمره النبي ﷺ أن يتوضأ فيحسن وضوءه، ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي قَدْ تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ، -وفي رواية: وشفعني فيه- (١)، ففعل الرجل فرد الله ﷺ عليه بصره.

فهذا قد اختار الحال الأقل، بدليل حديث ابن عباس عنها في البخاري، قال لعطاء بن أبي رباح: «أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قال: بَلَى، قال: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي، قالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ»، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، ثُمَّ عَادَتْ لَهَفَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ فَدَعَا لَهَا، (٢)، كانت عندما يأتيها الصرع يحصل نوع من تكشف الثياب عنها، فدعا لها النبي ﷺ ألا تتكشف.

وهو ﷺ في هذا الحديث بين أن الأفضل أن يصبر الإنسان ولا يطلب الرقية، ولا يطلب الدعاء من الآخرين، أما في الأمر الأخروي الديني وهو ألا تتكشف مثلاً؛ لأن التستر يحبه الله وشرعه وأمر به وأوجبه، فلما كانت عند صرعها تتكشف لم يقل لها ﷺ: «إن شئْتِ صبرْتِ ولكِ الجنة»؛ وإنما دعا لها مباشرة، ورغبها في الصبر على الصرع؛ ولذلك لما صبرت، قال ابن عباس منها: «ألا أريك امرأة من أهل الجنة» لصبرها، والأعمى قد خيَّره النبي ﷺ، فاختار أن يدعو الله له، مع أن الأفضل أن يصبر على ما ابتلاه الله ﷻ به.

ومن ذلك حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب لأنهم: «لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، (٣)، فقوله ﷺ: «لَا يَسْتَرْقُونَ» دل على...

______

(1) صحيح: رواه الترمذي (٣٥٧٨)، وابن ماجه (١٣٨٥)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٢٧٩).

(2) رواه البخاري (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦).

(3) رواه البخاري (٥٧٠٥، ٥٨١١، ٦٥٤١، ٦٥٤٢)، ومسلم (٢١٦، ٢٢٠).

الصفحة السابقة الصفحة التالية