المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 133
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
في منسكه الذي كتبه للمروزي صاحبه: إنه يتوسل بالنبي ﷺ في دعائه، ولكن غير أحمد قال: إن هذا إقسامُ على الله به ولا يُقْسَمُ على الله عَزَّ وَجَلَّ بمخلوق، وأحمد: في إحدى الروايتين قد جَوَّزَ القسم به ﷺ فلذلك جوز التوسل به، ولكن الرواية الأخرى عنه هي قول جمهور العلماء أنه لا يقسم به. اهـ(١)
وهذا القول بأن من حلف بالنبي ﷺ انعقد يمينه ووجب الوفاء به، قولُ باطل قطعًا من جهة الدليل(٢)، ويمكن أن يحمل قول الإمام أحمد في رواية المروزي على أنه أراد التوسل بحب النبي ﷺ واتباعه فهو من باب التوسل بالعمل الصالح.
فلذلك نقول إن التوسل بالحق والجاه -وهو النوع الثالث من التوسل غير المشروع-، وهو أن يقول: اللهم إني أسألك بحق فلان، أو بجاه فلان، أو بفلان يعني بذاته، هو توسل بدعي على الراجح، أجازه بعض العلماء بالنبي ﷺ كالعز بن عبد السلام؛ وهو منقول عن أحمد مرجوحًا؛ وأجازه بعضهم بعموم الصالحين؛ كالشوكاني، لكن الصحيح من حيث الدليل هو قول أبي حنيفة وأصحابه، وذلك أنهم قالوا: لا نتوسل بمخلوق، وإن كنا نقول: إن هناك توسلًا بالمخلوق، وهو التوسل بالعمل الصالح، فالعمل الصالح مخلوق.
أما ذلك النوع من التوسل -التوسل بالحق والجاه وذات المخلوق- فهو بدعة، فلم يرد في كتاب ولا سنة، وقد تركه الصحابة مع استحضارهم له، كقول عمر رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، فَيُسْقَوْنَ(٣)، فعمري رضي الله عنه لم يتوسل بعد وفاة النبي ﷺ بالنبي ﷺ؛ لأنه في الحقيقة كان يتوسل بدعاء النبي ﷺ لا بذاته ﷺ ولا بجاهه ﷺ فإن ذاته
______
(1) «الفتاوى الكبرى» (٢/ ٤٢٢).
(2) وكل المذاهب قد يقع فيها أقوال مخالفة لصريح الكتاب والسنة، أو فيها خلافٌ غير سائغ؛ ومذهب الإمام أحمد نادر جدًا أن توجد فيه أقوال من هذا القبيل، وهذا القول منها؛ لأنه قول مخالف لنص حديث: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» [رواه البخاري (٢٦٧٩، ٦٦٤٦، ٧٤٠١)، ومسلم (١٦٤٦)]، وحديث: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ»؛ والرواية الراجحة في المذهب أنه يحرم الحلف بالنبي ﷺ ولا ينعقد، فلو قال: «والنبي لأفعلن كذا»، ثم لم يفعل فليس عليه كفارة يمين، ولم ينعقد يمينه، إنما كفارته أن يقول: «لا إله إلا الله»؛ لأنه حلف بغير الله كمن حلف فقال: «وشرف أبي أو وشرف أمي»، فعليه أن يقول: «لا إله إلا الله» تكفيرًا للذنب وليس عليه كفارة لليمين.
(3) رواه البخاري، وقد سبق (ص: ۱۱۹).
