المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 137
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فمن معاني الربوبية: أن الرب جل وعلا هو السيد الآمر الناهي المطاع (1)، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِه اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]، وكما ذكرنا من مظاهر الشرك في الربوبية: أن يعتقد الإنسان أن غير الله له أن يُشرِّع، حتى لو لم يتحاكم إليه، ولم يطلب منه أن يحكم بحكم معين، فهذا من الشرك في الربوبية.
والتحاكم: من العبادات التي يجب أن يصرفها العبد لله دون سواه، وهو من توحيد الإلوهية؛ لأنه من فعل العباد، فكما بينا أن توحيد الربوبية: هو توحيد الرب جل وعلا بأفعاله هو، وتوحيد الإلوهية: هو توحيد الرب جل وعلا بأفعال العباد.
فمن الربوبية: أن يعتقد أن الله وحده له أن يشرع -وهذا فعل الرب جل وعلا- كما أنه وحده هو الذي يخلق، وله وحده صفة الرزق، وله وحده صفة الضر والنفع، كذلك له صفة الحُكم، وحق الحكم والتشريع له وحده جل وعلا، فهذا من توحيد الربوبية.
أما سلوكنا نحن العملي بالتحاكم إلى شرعه جل وعلا، وترك التحاكم إلى الطاغوت وهو كل من يحكم بغير ما أنزل الله وبخلاف شرعه فهو من توحيد الإلوهية، فمن العبادات التي يجب صرفها لله وحده دون ما سواه: التحاكم إلى شرعه، وقبول حُكمه، والرضا به؛ قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: 51] وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
وتحكيم النبي ﷺ إنما هو تحكيم الله جل وعلا؛ لأن الرسول ﷺ حاكم بشرع الله، وهو تحاكم إلى الله جل وعلا؛ لأن الرسول ﷺ حاكم بشرع الله.
ومن مظاهر الشرك في الربوبية وفي الإلوهية:
التحاكم إلى الطاغوت؛ فاعتقاد أن غير الله له أن يشرع؛ شركٌ في الربوبية.
والتحاكم إلى من يحكم بغير شرع الله؛ شركٌ في الإلوهية (2)، ويُعد إلحادًا في الأسماء والصفات؛ لأنه يجعل لله جل وعلا شريكًا في أسماءه وصفاته له أن يُشرع.
______
(1) راجع الفصل الثاني: «توحيد الربوبية» من هذا الكتاب (ص: 67-80).
(2) على التفصيل المعروف في ذلك كما سيأتي.
