المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 151
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وهذا عند الشافعي وأحمد ومالك -رحمهم الله- حكمٌ مُلْرِمٌ كحُكم القاضي إذا ثبت رضا الطرفين بالتحكيم، وهذا في وجود القضاء الشرعي، كما بينه الجويني (1) رحمه الله؛ وهذا أمر اجتهادي، وعند أبي حنيفة يجوز أيضًا، ولكن لا يلزم حكمه إذا خالف حُكم قاضي البلد، ولا ينفذ من حُكمه إلا ما وافق حُكم قاضي البلد.
وعند الجمهور يلزم هذا الحكم وينفذ، حتى لو خالف مذهب قاضي البلد، ولا يُنْقَضُ منه إلا ما ينقض مِنْ حُكم قاضي البلد المعين، وهو ما يخالف نصًا من الكتاب أو السنة أو إجماعًا أو قياسًا جليًا، فإن حُكم القاضي المعين يُنقض إذا خالف البينات -أي: إذا خالف النص أو الإجماع أو القياس الجلي-، وكذلك حُكم الحاكم سواء أكان مُعَيَّنًا أم مُحَكَّمًا (2) إذا خالف نصًا أو إجماعًا أو قياسًا جليًا- وجب نقض الحكم.
أما ما كان من مسائل اجتهادية ليس فيها نص ولا إجماع ولا قياس جليّ؛ فإن حُكم القاضي إذا لم يخالف البينات، مع أنه خليفة.
إذن فهذا المُحَكَّم يُنْقَضُ من حُكمه مثل ما ينقض من حُكم قاضي البلد، وينفذ من أحكامه كل ما ينفذ من أحكام القاضي، وبعض أهل العلم يُخرِّج ويخص من ذلك الحدود الشرعية، والحقيقة أن لزوم تطبيق الحكم الشرعي إنما يرتبط بالقدرة والمصلحة؛ فإقامة الحكم الشرعي أمر، وتنفيذه أمرٌ آخر، فالواجب على الناس إذا أمكنهم إقامة الشرع بمن هو أهل له؛ أن يُقِيمُوهُ، فإذا تعذر ذلك ولم يقدروا إلا على أن يُقام الشرع بغير أهله فهو أفضل من عدم إقامته بالكلية.
ولذلك نقول: قد بين الإمام الجويني أنه إذا كان التحكيم اجتهاديًا في زمن وجود الإمام والقضاء الشرعي والحكم الشرعي، فعند غياب الإمام يُصبح أمرًا قطعيًا، أي: عند غياب النظام الإسلامي الشرعي يصبح وجوب التحكيم هو المخرج الواجب الذي ليس للمسلمين سواه في إقامة الشرع فيما بينهم، إذ لا يسوغ لهم تأخير تطبيق ما يقدرون عليه من أحكام الشريعة.
______
(1) في كتابه «غياث الأمم» (ص: 282) ط. دار الدعوة.
(2) المُحَكَّم: معناه المختار بتراضي الطرفين، فهما اللذان اختاراه ليكون حكيمًا.
