المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 152
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
ومطالبة الغير بأن يحكم بشرع الله، حتى ولو كان الأصل عند هذا الغير خلاف ذلك، هذا لا ينطبق عليه أبدًا وصف الكفر أو الرضا بالطاغوت أو التحاكم إلى الطاغوت.
ولذلك نقول: إن من ذهب إلى المحاكم الوضعية مضطرًا، وطالبهم بإقامة الشرع، وطالبهم بتنفيذ حكم الله ﷺ الذي عَلِمَهُ من خلال أهل العلم، هذا لا يقال عنه: قد رضي بالحكم بغير ما أنزل الله، ولكن لا يجوز له أن يستفيد مما قد تتيحه له الأنظمة الوضعية من نصيب أكثر من حقه الشرعي، فلا يستغل ذلك ولا يطالب به.
مثال: لو أن إنسانًا اقترض من آخر مبلغًا، وكتب له صكًا لضمان سداد الحق في موعده، فهنا أمران:
أولًا: القوانين الوضعية تجعل كل من يتأخر عن السداد -مُعسرًا كان أو غير معسر- مستحقًا للعقاب وللسجن، حتى ولو أقام ألف بينة على أنه معسر وليس عنده مال، مادام قد وقع صك ولم يسدد فيجب حبسه، وكلما تأخر عن السداد يجب أن يدفع فوائد نظير التأخير، فجزء من هذا الأمر كقاعدة كلية باطل: وهو معاقبة المعسْر الذي لا يقدر على السداد.
وأما الغني القادر، فقد قال رسول الله ﷺ: «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ»(١)، وفي الرواية الأخرى: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ»(٢)، فمماطلة الغني الواجد للسداد الذي يستطيع أن يُسَدِّدَ الدَّيْنَ في موعده ظلمٌ منه للدائن صاحب الدين، يُحِلُّ عرضه وعقوبته.
فلو أن إنسانًا طالب شخصًا أن يسدد في موعده وهو يعلم أنه غير معسر، وطلب منه الدائن أن يذهبا إلى أحد أهل العلم الشرعي يحكم بينهما بحكم الشرع ويلتزما حكمه فأبى المدين، يضطر الدائن لكي يأخذ حقه أن يرفع دعوى قضائية أمام المحاكم الوضعية، وإذا كان يعلم أنه غير معسر، أو لم يكن يعلم أنه معسر جاز له أن يطالب بعقوبة هذا المدين الذي امتنع عن سداد الحق، أما إذا كان يعلم أن المدين معسر -وبعض الناس يكون موقنًا بأن المدين الفلاني معسر ولكن يريد أن يحاكمه- فلا يجوز له فعل ذلك.
______
(1) صحيح: رواه النسائي (٤٦٨٩)، وأبو داود (٣٦٢٨)، وابن ماجه (٢٤٢٧)، وأحمد (١٧٤٨٦، ١٨٩٦٢)، وحسنه الألباني في «الإرواء» (١٤٣٤).
(2) رواه البخاري (٢٢٨٨)، ومسلم (١٥٦٤).
