المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 154
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
أما ما يكون من نُظم إدارية ولو كانت مما وضعه الناس يُراد بها ضبط العمل، ويراد بها إتقان الأمور على الوجه الأكمل، كنظم العمال، وقوانين الأعمال، فلا شك أن أكثرها لا يخالف الشرع؛ لأن مبناه على العقود، وقد أمر الله ﷺ بالوفاء بالعقود، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فإذا تعاقد اثنان على أن يلتزما بقوانين العمل المعمول بها، وأن يفيا بالتعاقدات، فمخالفة نظم العمل في هذه الحال لا تجوز شرعًا، وبالتالي ففصل الخصومات وبيان من خالف ومن لم يخالف، وهو ما يسمونه بالقضاء الإداري، إذا لم يكن مخالفًا لتفاصيل معينة في الشرع -لأن هناك بعض الأحكام أو بعض القوانين الإدارية تكون مخالفة للشرع- فإن الأصل فيها في الجملة وجوب الوفاء بالعقود، فالعمل بالقضاء الإداري ونحو ذلك، الأصل فيه الجواز إلا أن تكون هناك مخالفة صريحة لنصوص الكتاب أو السنة أو الإجماع.
وكذلك القوانين التي هي مصالح للمسلمين، كقوانين المرور، فهي من المصالح المرسلة.
وهنا أمرٌ ينبغي على المحكّم -الذي ذكرنا أنه المخرج الوحيد للمسلمين في مقام مخالفة النظم المعمول بها للشرع- أن يسعى إليه؛ وهو الصلح، فالصلح ينبغي أن يعرضه المحكم؛ فربما وسع الخصمين الصلح قبل أن يكون هناك حكم وإلزام.
ومجالس التحكيم العرفية إذا كانت مجالس صلح ليس فيها صلحٌ يحل حرامًا أو يحرم حلالًا بين المسلمين فهي جائزة، والصلح جائز؛ لأن مبناه على تراضي الطرفين بالحكم؛ وليس -فقط- بشخص المصلح المُحَكَّم، والتحكيم ملزم للطرفين مادام الْحَكَمُ قد حَكَمَ، ولهذا يجب أن يكون فيه استيعاب الحق لصاحبه، أما الصُّلْح فيجوز فيه التنازل؛ لأنه برضا الطرفين، فرِضًا الطرفين بما يكون من المصلح شرط في نفاذه بعد علمهما به، فَالْحُكْم والصلح مختلفان، الحكم يكفي فيه أن يرضى كل طرف بفلان حَكَمًا أو مُحَكِّمًا، فإذا حَكَمَ هذا المُحَكَّم لزم الحكم ووجب نفاذه، وأما في الصلح فيجب أن يرضيا بالحكم بعد علمهما به، وهو ليس في الحقيقة حُكْمًا بل عرض للصلح، فإن أبى أحدهما لم يُلْزَم بأن يتنازل عن حقه، فيعرض الحكم على الطرفين الصلح؛ فيقول لأحدهما: أنت تتنازل عن شيء من حقك، ويقول للآخر: وأنت أيضًا تتنازل عن شيء من حقك، ونصطلح على كذا، فهذا أمر جائز بين المسلمين؛ لأنه مبني على التراضي، ومبني على التوسعة، فلو أن كلا منهما أخذ شيئًا من حقه فلا بأس، أو ترك أحد الطرفين شيئًا من حقه من غير إلزام فلا بأس.
