المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 155
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فمجالس التحكيم العرفية التي تقع بين الناس إن كانت تعرض الصلح على الطرفين ولا تلزمهم بما يقوله الجالسون فيها؛ فجائزة، بشرط ألا تكون مخالفة للشرع أيضًا، فإن هناك أمورًا لا يصح فيها الصلح؛ فلو أن إنسانًا اصطلح على عرضه مثلًا بمال، فيقال: المال حرام عليك، كأن يزني إنسان بامرأة آخر، فَعَرَضَ عليه مالًا للصلح؛ فهذا لا يجوز باتفاق أهل العلم، أما ما كان يجوز فيه الصلح على مال كالجروح والديات، فأعضاء الإنسان مُقدرة بديات معينة في الشرع؛ فلو اصطلح على أقل أو أكثر فهذا لا بأس به، فلابد أن يكون وفق ما في الشرع؛ فلذلك لا يجوز أن يكون التحكيم في المجالس العرفية هذه لأهل الجهل، فإن هذا من الحكم بغير ما أنزل الله مثل تولية القاضي الذي لا يدري، فالقضاة ثلاثة: قاض في الجنة، وقاضيان في النار.
قاض في الجنة: الذي علم الحق وقضى به.
وقاضيان في النار: الذي يعلم الحق ولم يقض به، والذي لم يعلم الحق سواءً أوافقه في قضائه أم أخطاه؛ لأنه إن وافقـه فهو لم يقصد إليه، وإنما قضى بهواه واتبعه، كما قال النبي ﷺ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ؛ فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ»(١).
فإلزام الناس بحكم هؤلاء الجهّال -الذين لا يعرفون ما يوافق الشرع وما لا يوافقه، ولا يعرفون الإلزام من الصلح- أمرٌ خطير، فلا يجوز أن يترك الفصل بين الناس لهؤلاء الجهّال، بل هذا من تضييع الأمانة، كما قال النبي ﷺ: «إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»(٢)، فإذا ضيعت الأمانة فمعنى ذلك خراب الدنيا(٣).
______
(1) صحيح: رواه أبو داود (٣٥٧3)، والترمذي (١٣٢٢)، وابن ماجه (٢٣١٥)، وصححه الألباني.
(2) رواه البخاري (٥٩).
(3) المجالس العرفية يصح التصالح فيها على الجروح، وإذا نقصت الدية أو زادت لا تسمى دية، بل تسمى صلحًا، ويكون بالتراضي، ولابد من رضا الطرفين بالحكم لا بالمحكّم فقط كما ذكرنا.
التعارف على مبلغ محدد هل هو إلزام أو تصالح؟ فمن يقول مثلًا: الدية ١٥ ألفًا من الجنيهات، هذه ليست دية قطعًا، وتسميتها دية باطل قطعًا، الدية مائة من الإبل أو ألف دينار على من يقول بذلك، أو اثنا عشر ألف درهم؛ لكن يجوز أن يصالحه على أقل من ذلك، يقول له مثلًا: تنازل لي قليلًا فأنا رجل فقير. ولايكون إلزامًا، والمحكم أو الجالسون في المجالس العرفية لا يلزمون الخصم بالقبول. فلو قال: لا، إني أريد حقي كاملًا. يجب أن يحكم بحقه كاملًا.
