المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 157
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
مثل هذه الشبهات التي يطرحها بعض الناس حول إقامة الشريعة وهي أن عمر رضي الله عنه لم يقِم حد السرقة في عام الرمادة ونحو هذا، جوابه: أن عمر رضي الله عنه لم يُعطل أبداً إقامة الحدود، وليس له رضي الله عنه ولا غيره أن يفعل ذلك، وهذا في الحقيقة اتهام عظيم لعمر رضي الله عنه، فانخفاض مستوى المعيشة لا يبيح للناس أن يسرقوا، فالصحابة في الحقيقة لم يسمحوا لأحد أن يسرق، بل كانوا يعاقبون السارق.
بل إن المسألة أن عمر رضي الله عنه كان يستوفي شروط إقامة الحد، فإذا فُقِد أحد الشروط لم يقم الحد، وعمر رضي الله عنه لم يقل: هذا العام لا تقام الحدود مثلاً، لكن القصة التي وقعت هي أن غلمان حاطب بن أبي بَلْتَعَة -يعني مواليه- كان قد أصابهم جوع فسرقوا ناقة وأكلوها لأجل الجوع، ومثل هذا الجائع إذا أخذ المال قهراً ليأكل -فضلاً عن أن يسرق- فإنه إنما يفعل ذلك للضرورة، وإنما يلزم بقيمة الشيء المسروق على أحد قولي أهل العلم، وعلى القول الآخر: لا يضمن قيمته لأنه مضطر فلا تقطع يده على أي حال؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات.
فوقوع واقعة عين معينة لم تتحقق فيها شروط إقامة الحد ليس دليلاً على حق الحاكم في تعطيل الحدود، كأن يكون الإنسان سرق ثم تبين أن الشيء المسروق دون النصاب، فإن هذا السارق لا تقطع يده، أو تبين مثلاً أنه سرق مالاً له شبهة في مِلْكه، كالسرقة من المال العام، والزوجة والولد؛ فإن هذا لا تقطع يده، هذه أحكام الشريعة؛ ولا نكون بهذا عطلنا حكم الشرع، بل هذه شروط لابد أن تستوفى، فتلبيس عظيم أن نقول إن عمر عطل حكم الشرع، بل إن الواقعة التي عرضت عليه لم تستوف فيها الشروط، كما لو أن إنسانًا سرق وتبين أنه دون البلوغ مثلاً، فهذا لا يقام عليه الحد، وكذا في سائر الأحكام، هناك شروط معينة في كل حد من الحدود مذكورة بالتفصيل في كتب الفقه.
فقول من يقول: يجوز لنا عند شدة الأحوال وتغير الأمور أن نعطل الحدود؛ هذا قول باطل بإجماع المسلمين، بل هذه شبهة يُدخلها الشيطان على الناس ليستحلوا مخالفة الشريعة؛ ويوقعهم في الكفر، فظن الناس أن عمر رضي الله عنه -أو من دون عمر- له أن يعطل أحكام الشريعة؛ فهذا من أسوأ الظن بصحابة رسول الله ﷺ، ثم إنه يقود الناس إلى القول بجواز ترك شرع الله عز وجل.
