المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 170
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
ما تكلمتم به -وهو الشهادتان- من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم وأموالهم، «والرسول ﷺ ساكت بين الفريقين» حتى أنزل الله عز وجل: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ (١).
والآيات تُصرح بوجوب قتلهم إذا لم يهاجروا ويتركوا مظاهرة المشركين، وسمّاهم منافقين باعتبار أنهم ما زالوا يظهرون إسلامهم، مع كونهم يظهرون الكفر أيضًا بمظاهرة الكفار ومعاونتهم في حروبهم ضد المسلمين، فقوله تعالى: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ معناه: لا ينبغي أن تختلفوا فيهم، وهذا -والله- ينبغي أن يُقال لكل مَن يريد موافقة المنافقين، وطاعة المنافقين، ومحبة المنافقين، ينبغي أن يقال له: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ... ﴾ يعني: أتريدون أن تهدوا من حَكَمَ الله -سبحانه- بضلاله، وأضله عز وجل فلا يمكن أن تهدوه، ولا أن تسموهم مهتدين في هذه الحالة، ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا ﴾ بماذا كفروا؟ هل ناقضوا أصل النطق بالإسلام، وقالوا: نعبد الأوثان؟! لا؛ بل كفروا بمظاهرة الكفار ومعاونتهم في حربهم ضد الإسلام؛ فهذه الآيات صريحة في بيان هذا، وإلا لما اختلف فيهم الصحابة.
أما إذا كانت المناصرة بنوع تجسس مثلاً، أو بمعاونةٍ بخبرٍ دون القتال معهم في صفوفهم، أو دون معاونتهم على القتال؛ فهذا قد ورد فيه قِصَّةُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وذلك أنه جَسَّ على رسول الله ﷺ بمعنى أنه بَلَّغَ الكفار بعض أخبار رسول الله ﷺ مع أنه كان في جيش المسلمين، ولم يقاتل مع الكفار وإنما راسل الكفار بما ييئسهم من القتال، ولكن ليحتاطوا لأنفسهم، ولا شك أن هذه مراعاة لمصلحتهم وإخبارُ الكفار بأخبار المسلمين جاسوسية، وهي
______
(1) رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وقد روى أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا. انظر «تفسير القرآن العظيم» للإمام ابن كثير (٢/ ٣٧١) ط. دار طيبة.
وهناك أقوال في المسألة منها: عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ، وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تَقُولُ: نَقْتُلُهُمْ، وَفِرْقَةٌ تَقُولُ: لَا نُقَاتِلُهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾، وَقَالَ: «إِنَّهَا طَيْبَةُ تَنْفِي الذُّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْفِضَّةِ». [رواه البخاري (٤٠٥٠، ٤٥٨٩)، ومسلم (٢٧٧٦)].
والدليل على أنهم ألحقوا بالكفار قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾ فليسوا من أهل المدينة.
راجع «شرح تفسير ابن كثير» للمؤلف في الجمع بين هذه الأقوال. [شرائط مسجلة موجودة على موقع «صوت السلف»].
