المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 171
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
جريمة عظيمة، ولكن لأن حاطبًا كان من أهل بدر، وشهد بدرًا والحديبية، فقال النبي ﷺ لما استأذنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قتله، قال: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، (١).
وهذا دليل على أنه ليس بشرك؛ لأن الله لا يغفر الشرك ولو وقع من نبي؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الزمر: ٦٥] (٢).
والجاسوسية للكفار: صاحبها -في الحقيقة- يستحق أن يُقتل، ولكن لا يجب ولا يتحتم أن يُقتل؛ لأنه لو كان يجب أن يُقتل كَحَدٍّ لأقام النبي ﷺ الحدّ، كما أقام ﷺ الحدّ على مسطح ابن أثاثة في حادثة الإفك، وهو أيضًا من أهل بدر، وكذا أقام عمر الحدّ على قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ لما شرب الخمر، وهو من أهل بدر، فالحدود تقام على أهل بدر، فلو كان للجاسوسية حدٌ لازم لما تركه، ولو كانت إقامة العقوبة عليه محرمة؛ لما علل تركها بأنه شهد بدرًا، بل لقال: إنه مسلم، ولما قال: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا»، فدل ذلك على أن غير أهل بدر لو تجسسوا نظر الإمام الحاكم فيهم، هل يقتلهم أم لا؟ حسب المصلحة، فيجوز قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس، وليس ذلك واجبًا، وإنما الأمر مبنيّ على المصلحة، فيجوز قتله إذا كانت المصلحة في ذلك(٣)، على الصحيح من أقوال أهل العلم.
## ثالثاً: من معاني الموالاة: الطاعة:
فمن أطاع الكافرين في كفرهم واتبعهم عليه، ودخل في طاعتهم فهو مثلهم، سواء أأطاعهم في الكفر أم دخل في طاعتهم الطاعة المطلقة الكاملة؛ فلو تصورنا أحوال الكفار وأوامرهم في دائرة كبيرة، فهي تشمل: الكفر والمحرمات، والمباحات، فالكفار قد يأمرون بكفريات، وقد يأمرون بمحرمات، وقد يأمرون بمباحات.
______
(1) رواه البخاري (٣٠٠٧، ٣٩٨٣، ٤٢٧٤)، ومسلم (٢٤٩٤).
(2) ومستحيل أن يقع الشرك من نبي، ولكن بين الله تعالى أنه لو وقع من نبي لكان محبطًا للعمل، وأهل بدر أولى بذلك من الأنبياء، فهذا يدل على أن فعل حاطب رضي الله عنه ليس بكفر.
(3) وفي صحيح مسلم (٢٨٢٣) عن سَلَمَةَ بنِ الْأَكْوَعِ قال: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اطْلُبوهُ وَاقْتُلُوهُ»، فَقَتَلْتُهُ فَنَقَلْتُ سَلَبَهُ.
