المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 172
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فمن أطاعهم طاعة كاملة، فقال: كل ما يأمرونني به فأنا متابع لهم فيه، وأنا ملتزم بكلامهم، حتى ولو أمروه بالكفر لكفر -وإن لم يفعل حتى الآن- فهذا من لحظة قوله ذلك صار كافرًا، وكثيرٌ من الناس يعزم على ذلك، وليس من أجل الكفار فقط، بل عنده أن صاحبه أو رئيسه أو ملكه لو أمره بالكفر لكفر، بمعنى لو أمروه أن يذبح لغير الله أو يسجد لغير الله فيفعل ذلك دون إكراه معتبر أو لتحصيل المصالح: كالذي دخل النار في ذباب (١)، أو كالذي يأمرونه أن يُحارب الإسلام فيفعل ذلك، أو يأمرونه أن ينشر الكفر في الناس فيفعل ذلك.
فالكفار قد يأمرونه أن يحارب الدين بصفته مسلمًا يطلبون منه أن يعد أبحاثًا عن الدين تتضمن الكفر لِصَدِّ الناس عن الإسلام، وهذا واقع بالفعل فكثيرٌ من الناس من أجل المال ومن أجل المنصب والوجاهة يؤلف روايات مثلًا فيها كفر ليزلزل عقائد المسلمين، أو يؤلف كتبًا وأبحاثًا ينسبها إلى الدين لينشر الكفر في الناس، أو ليصد الناس عن الالتزام بالإسلام، أو كما ذكرنا لو أمروه أن يسجد لصنم فيسجد لصنم، أو أمروه أن يُعَظِّمَ الصليب فيُعظِّم الصليب، وغير ذلك من الأمور فيُنظر في الفعل: فإذا كان كفرًا وأطاعهم بغير إكراه معتبر شرعًا؛ فإنه يكون كافرًا، وكذا لو أطاعهم الطاعة المطلقة، وكذا لو اتبعهم على الكفر؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَرَّلَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥-٢٦]، فإذا كانت طاعتهم في بعض الأمر كذلك، فأشد منها طاعتهم في كل الأمر.
______
(1) عن طارق بن شهاب قال: قال سلمان: «دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل رجل النار في ذباب»، قالوا: وما الذباب؟ فرأى ذبابًا على ثوب إنسان، فقال: «هذا الذباب»، قالوا: وكيف ذاك؟ قال: «مر رجلان مسلمان على قوم يعكفون على صنم لهم، فقالوا لهما: قربا لصنمنا قربانا، قالا: لا نشرك بالله شيئًا، قالوا: قربا ما شئتما ولو ذبابًا، فقال أحدهما لصاحبه: ما ترى؟ قال أحدهما: لا نشرك بالله شيئًا، فقتل فدخل الجنة، فقال الآخر بيده على وجهه فأخذ ذبابًا فألقاه على الصنم فدخل النار». [أخرجه البيهقي في «الشعب» (٧٠٩٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٦٤٢)، وأحمد في «الزهد» (٨٦/١)، والخطيب في «الكفاية» (٥٥٢)، وابن الأعرابي في معجمه (١٧٥١) من طرق عن الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب عن سلمان الفارسي موقوفًا.
