المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 175
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فلا يجوز إرسال الوفود لتهنئة الكفار بهذا ولا بمظاهر الشرك التي يفعلونها، عندما يترأس منهم رئيس مثلًا، ويصير طاغوتًا فهناك من يرسل له التهنئة بذلك، كما يحدث عندما يترأس كثير من الكفار في بلادهم.
فالتهنئة على الولايات الظالمة من الأمور المنكرة المحرمة، ولو أن أحدًا هنا ظالمًا على ولاية يعلم أنه ظالم فيها، أو هناء على منصب يتولى ظلم الناس فيه، لكانت هذه موالاة محرمة، كمن هنأ شخصًا لأنه صار طاغيًا يحكم بغير ما أنزل الله؛ أو أنه صار مطالبًا بالحكم بغير ما أنزل الله، أو صار ممن يطبق أحكامًا تخالف شرع الله ﷺ فيظلم الناس أو يضربهم أو يؤذيهم، والناس يتبادلون التهنئات بمثل ذلك، وهذا لا يجوز.
إنما الذي يجوز في أمر التهنئة للكفار: هو ما كان من أمر مشروع كمن تزوج مثلًا؛ فلو أن نصرانيًا تزوج، فقيل له: هنيئًا لك بالزواج. فهذا مما لا يحرم، وهذا من حسن العشرة والبر الجائز، لأن الزواج أمر مشروع، وكذلك لو أنه مثلًا شفي من مرض، فدعا له بالهداية والمغفرة، أو دعا الله أن يوفقه لشكر نعمته، فهذا أيضًا مما لا يحرم، ولابد أن تكون صيغة إسلامية لا تهنئة مجردة، بل تكون صيغة موافقة للشرع، فلقد كان الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: «يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» (١)، ولم يقل لهم ما كان يقوله للمسلمين، فهذا مما يفرق فيه بين المسلم والكافر، فالكافر إذا عطس وحمد الله نشمته بأن نقول له: يهديكم الله ويصلح بالكم.
وكذلك السلام، فالنبي ﷺ كان إذا راسلهم بدأهم بنوع من التحية، وهو في الحقيقة ليس تحية، فكان يقول في الرسالة: «السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى» (٢) كمقدمة للكلام، فالذي يُشرع هو أن نقول له مثلًا: وفقك الله لشكر نعمته في الشفاء، وأعانكم الله على معرفة فضله عليكم في العافية... ونحو ذلك مما هو دعاء بالهداية.
والصحابة كانوا يقولون: إن الإنسان قد يكون سببًا في هداية غيره، كلما ناوله شيئًا قال:
______
(1) صحيح: رواه أبو داود (٥٠٣٨)، والترمذي (٢٧٣٩)، وأحمد (١٩٠٨٩، ١٩١٨٥)، وصححه الألباني في تحقيقه لـ: «جامع الترمذي».
(2) كما في رسالته ﷺ إلى هرقل عظيم الروم، والحديث رواه البخاري (٦٢٦١)، ومسلم (١٧٧٣).
