المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 177
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
ولذلك في هذه المعاني لابد من معرفة أمرين:
أولًا: هناك طائفة تغالي في أمر الموالاة وتدخل فيه ما ليس منه، فتُحرّم على المسلمين معاملة الكفار بأنواع المعاملات الجائزة التي ورد الشرع بها، وتجعل من فعلها مواليًا لهم، فنسمع كثيرًا عن دعاوى المقاطعة مثلًا، بزعم أن الشراء من الشركة الفلانية موالاة لليهود، أو من الشركة الفلانية موالاة للدولة الفلانية، فمن اشترى منها فقد اتخذهم أولياء، وكثير من الناس بعضهم من المنتسبين للعلم، وبعضهم منتسب للدعوة ربما يستعمل آيات الموالاة للنهي عن البيع والشراء والإجارة مع الكفار، وهذا بلا شك تجاوز عظيم، ولا يجوز أن تحمل الآيات والأحاديث ما لا تحتمله من كتاب ولا سنة ولا من تفسير السلف ولا لغة العرب.
ولقد باع الرسول ﷺ والصحابة واشتروا من الكفار وتركوا ذلك أيضًا، وقد قاطع ثمامة بن أثال مشركي مكة في منعه القمح بإذن رسول الله ﷺ؛ فقال: «والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ»(١)، وأذن النبي ﷺ له بعد ذلك أن يرسل لهم الميرة لما ناشدوه بالله والرحم، فالمقاطعة أمر تابع لمصلحة المسلمين ومضرة الكافرين، ولا يجوز أن نجعل البيع والشراء أمرًا عامًا من الموالاة فيقال بحرمته مطلقًا، بل يُفعل ويُترك حسب مصلحة المسلمين.
ثانيًا: أما الفريق الآخر الذي يجعل ما ثبت من صور المعاملة وسيلة يحتج بها بالباطل ليتوصل بذلك إلى جواز الموالاة المحرمة فيحتج بالأدلة التي وردت في صور جائزة من المعاملة: على جواز ما لا يجوز وعلى جواز ما حرّمه الشرع، ويقول: قد أهدى النبي ﷺ لجاره اليهودي مثلًا، ويقول: قد باع النبي ﷺ واشترى واستأجر، ونحو ذلك، ليستدل بذلك على ما يريد الوصول إليه من المعنى الباطل، وهو: جواز حب الكفار، وموالاتهم، ونصرتهم، وطاعتهم، ومتابعتهم، وتهنئتهم بأعيادهم.
والعجب أن كثيرًا من الناس على حسب هواه يجمع أحيانًا بين هذه وتلك -أعني بين الإفراط والتفريط-، فإذا وافق هواه أن يمنع من البيع والشراء قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، وإذا أراد أن يهنئ الكفار بأعيادهم ويشاركهم فيها
____________________
(1) رواه البخاري (٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤).
