المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 180
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
بلاد الكفار ساقيًا للخمر، حتى لو كان يبيع ويسقي الكفار؛ فلا يجوز ذلك، ولا يجوز له أن يغسل مثلًا الآنية التي يشربون فيها الخمر ليُعاد الشرب فيها مرةً أخرى، وكذلك الأطباق والأواني التي يطبخون فيها الخنازير، ويأكلون فيها الميتة؛ فإن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان؛ لأن هذا محرم في شرعنا فهو ملزم لهم في حقيقة الأمر، ولذلك لا يجوز أن يُعانوا عليه.
وكذلك لا يجوز التعاون على الزنى أو الفجور أو الفحش أو التبرج؛ فلا يجوز مثلًا أن يبيع المسلم ملابس فيها تبرج للكافرات، فضلًا عن أن يبيعها للمسلمات؛ لأن الله جَلَّ وَعَلَّا حرم الزنى على الكل، وهذا من زنى الأعضاء والجوارح، ومن أسباب سخط الله جَلَّ وَعَلَّا، ولذلك لا يجوز لمسلم أن يعين على ذلك، فشرط البيع والشراء مع الكفار أن يكون فيما يحل مثله بين المسلمين.
٢- الإجارة: ولا يحرم كذلك بيع المنافع -وهو الإجارة- فالإجارة بيع منفعة؛ فيجوز للمسلم أن يؤجر كافرا، وأن يؤجر نفسه لكافر؛ بمعنى أن يعمل عنده أجيرا، فعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: «وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيْلِ هَادِيًا خِرِّيتًا، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ؛ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ»(1)، وروى البخاري في صحيحه عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: «كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا(2)، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا، قَالَ: وَإِنِّي لَمَيْتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّه سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَقْضِيكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِـَايَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: 77]»(3).
والآيات مكية؛ وهي دليل على جواز أن يؤجر المسلم نفسه فيعمل عند كافر في دار الكفر فيما يحل عمله؛ لأن الإجارة بيع منفعة، وإذا جاز البيع جازت الإجارة، بشرط ألا يكون فيه مهانة للمسلم، وأن يكون فيما يحل أيضا من العمل؛ فلا يجوز أن يعمل ساقيا للخمر ولا عاصرا لها.
______
(1) رواه البخاري (2263، 2264، 3906)، «والخريت»: الدليل الحاذق بالدلالة؛ كأنه ينظر في خُرْقِ الإبرة»، والخريت الماهر الذي يهتدي لأخرات المفاوز وهي طرقها الخفية ومضايقها، وقيل: أراد أنه يهتدي في مثل ثقب الإبرة من الطريق»، انظر «لسان العرب» مادة (خ ر ت).
(2) القَيْن: الحداد والصائغ؛ وقال ابن دريد: «أصل القَيْن الحدَّاد؛ ثم صار كل صائغ عند العرب قينا»، وقال الزجاج: «القَيْن: الذي يُصلح الأسنَّة والقَيْن أيضا: الحدَّاد»، انظر «فتح الباري» (٦/ ٤٠٩).
(3) رواه البخاري (2275، 4735)، ومسلم (2795).
