المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 181
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
ومعنى ألا يكون فيه مهانة للمسلم مثل أمر الخدمة وذلك؛ لأن الله جَلَّ وَعَلَّا قال: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، فلو عمل خادمًا عنده لكان ذلك من السبيل، وكان ذلك مهانة، مع خلاف بين أهل العلم في مسألة جواز أن يعمل خادمًا لدى الكافر، فمنع منه الإمام أحمد والجمهور، وأجازه الشافعي في إحدى الروايتين عنه(1).
ولا يجوز أن يبيع عبده المسلم لرجل كافر، ولا ينعقد ولا يصح ذلك البيع؛ لأن ذلك فيه تسليط للكافر على ذلك العبد المسلم يتصرف فيه، مع أن ذلك لا يتضمن حبس ذلك العبد، فربما يتفق معه على ضريبة يؤديها له، وبعد ذلك هو حُرٌّ في وقته، ومع ذلك لم يجز، فأولى ألا يجوز حبسه في مدة معينة يتصرف فيه كما يريد.
ويمكن ضرب مثال آخر لقضية المهانة: هو أن يعمل مثلًا -بالإضافة للخدمة- منظّفًا للكُنف، عاملًا يزيل نجاستهم، أو ماسح أحذية في أيامنا هذه، فهذا من الذي يحتمل أن يكون من المهانة، وإن كان العلماء لم ينصوا إلا على مسألة الخدمة -أي: أن يعمل خادمًا لدى الكافر- ولكن العلة التي ذكروها هي أن هذا العمل يتضمن مهانة للمسلم، وهذا أمر لا بد من الحذر منه.
وكما ذكرنا أن كل ما كان فيه تعاون على الإثم والعدوان فهو حرام، كأن يعمل بَنَّاءً فيبني لهم كنيسة، أو معبدًا، فإن هذا من إقامة الكفر، والتعاون على إقامته، وكذلك أن يحرسها لهم، أو يحرس ما يلعبون فيه القمار أو الميسر أو يشربون الخمر مثلًا، فإذا كان هذا مما لا يجوز بين المسلمين فهو لا يجوز كذلك مع الكفار(2).
______
(1) المحرم الخدمة، أما أن يعمل حارسًا على ماله فهذا أمر آخر، لكن تحرم الخدمة؛ لأن فيها تسليطًا له عليه واستعمالًا له.
(2) أما من أُكره على ذلك، فننظر في شروط الإكراه، وهل هو فعلًا مكرَهٌ على ذلك أم لا؟ أي: هل يُكرَه على أن يفعل؛ فيزول عنه الإثم؟ وشرط ذلك ألا يكون قادرًا على التخلص منهم ولو بالفرار، فالموالاة تجوز مع الإكراه المعتبر؛ لأن الله جَلَّ وَعَلَّا قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 106]، فدل ذلك على أن الإكراه يبيح الموافقة باللسان، بل الصحيح أنه يبيح الموافقة بالفعل أيضًا، إذا لم يكن فيه تعد على مسلم أو على معصوم في الأصح، فشروط الإكراه المعتبرة هي:
1- أن يغلب على ظنه أن المكره يوقع ما يُهدّد به.
2- أن يكون المكره قادرًا على إيقاع ذلك.
3- أن يكون المكره عاجزًا عن الدفع ولو بالفرار.
4- أن يكون قلب المكره مطمئنًا بالإيمان.
5- أن يكون تنفيذ الإكراه فوريًّا.
وفي مسألة الفورية في التنفيذ يستثنى منها ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًّا، أو جرت العادة أنه لا يُخْلَفُ مثله.=
