المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 182
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
______
6- ومن شروطه أيضًا: ألا يكون فيه انتهاك لحرمة مسلم أو معصوم، فقد أجمع العلماء على أن من أكره على قتل مسلم أو انتهاك حرمته لم يجز له ذلك، ولم يجز له أن يفدي نفسه بأخيه، نقل الإجماع على ذلك الإمام القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ، ونقله غير واحد، منهم أيضا الشيخ الشنقيطي رَحِمَهُ اللَّهُ.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره، أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره؛ ويصبر على البلاء الذي نزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة». اهـ. [«تفسير القرطبي» (5/ 3799)].
فلو أكرهوه أن يزني بامرأة معصومة أو حتى يكشف لها ثوبها لم يجز له ذلك، ولو ضُرب أو سُجن أو فُعل به ما فعل؛ لأن ذلك فيه انتهاك لحرمة معصوم، والإكراه إنما يكون فيما بينه وبين الله؛ ويصبر على ما سوى ذلك.
وبعض العلماء يمنع من الإكراه في الفعل مطلقًا فيقول: الأفعال كلها لا اعتبار للإكراه فيها، إنما يجوز الاعتبار في حال الإكراه على القول؛ والصحيح أنه يجوز في الفعل أيضًا، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 33]. فدل على اعتبار الإكراه في الزنى من المرأة وهو فعل، وبعض العلماء يقول: في حق الرجل لا اعتبار بالإكراه على الزنى؛ وبعضهم يقول: لا اعتبار على إكراهه على السجود لصنم، وذلك فيما بينه وبين الله جَلَّ وَعَلَّا.
وإذا كان الذي يُفْعَل به ذلك معصومًا يأبى ذلك، فله حق أيضًا، فلو أكره على الزنى بامرأة مسلمة أو ذمية أو مستأمنة لم يجز له ذلك، مراعاة لحقها لأنها معصومة؛ ويجب مراعاة عصمة بضعها.
أما لو كانت امرأة كافرة حربية، أو أنها هي التي تكرهه على فعل الزنى فهذا الذي اختلف فيه العلماء؛ منهم من منع ومنهم من أجاز، والصحيح الجواز حال الإكراه المعتبر من قتل أو ضرب شديد، أما السجن فلا يعتبر الإكراه به على الزنى بحال؛ لأن الله جَلَّ وَعَلَّا ذكر قصة يوسف عَلَيْهِ السَّلَامُ حين قال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: 33]، فدل ذلك على أن من استجاب للزنى عند الإكراه عليه بالسجن فهو من الجاهلين، ولهذا نقل القرطبي الإجماع أيضًا على أنه لا يعتبر الإكراه على الزنى بالسجن ولو سُجن سنين؛ لأن يوسف عَلَيْهِ السَّلَامُ سجن بضع سنين ولم يقبل الزنى.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: (أكره يوسف عَلَيْهِ السَّلَامُ على الفاحشة بالسجن، وأقام خمسة أعوام، وما رضي بذلك لعظيم منزلته، وشريف قدره، ولو أكره رجل بالسجن على الزنى، ما جاز له إجماعًا، فإن أكره بالضرب فقد اختلف فيه العلماء، والصحيح أنه إذا كان فادحًا فإنه يسقط عنه إثم الزنى وحدّه، وقد قال بعض علمائنا: إنه لا يسقط عنه الحدّ وهو ضعيف، فإن الله تعالى لا يجمع على عبده العذابين، ولا يصرفه بين بلاءين، فإنه من أعظم الحرج في الدين، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]. اهـ. [«تفسير القرطبي» (4/ 3416)])
وهذا بخلاف ما إذا سُجن من أجل أن يُقر بمال، أو حتى يُطلق امرأته؛ فإنه لو فعل حين ذلك لكان مكرهًا إكراهًا معتبرًا ولم يلزمه ذلك الإقرار، ولم يلزمه ذلك التطليق، وكذلك لو طلب منه أن يتكلم بكلام.
وكذلك أمر التقاة، فإن شرطه ألا يعين على مسلم بفعل، وألا يدل على عورات المسلمين، قال الله جَلَّ وَعَلَّا: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: 28]. ومن يواليهم فقد برئ من الله، والله برئ منه، ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: 28]، بأن يكون الإنسان المسلم في سلطان الكفار ويخاف على نفسه، فيداريهم باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان، بالقدر الذي يدفع به شرهم، من غير أن يعينهم على مسلم بفعل، ولا يدلهم على عورات المسلمين، ولا ينتهك دما حرامًا ولا مالًا حرامًا.
وأمر المال عند الإكراه يحتمل فيه تقديم حرمة نفسه على مال أخيه، بخلاف حرمة البدن والعرض، فلا نزاع أنه لا يجوز له انتهاكهما، أما المال ففيه احتيال، فإذا قالوا له: إما أن تفسد مال أخيك وإما قتلناك فالأظهر -والله أعلم- أنه يجوز له إفساده ويضمنه بعد ذلك، لأنه إذا كان مضطرًا إلى مال أخيه وهو جائع جاز له أن يأكل منه اتفاقًا، والخلاف=
