شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 183

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

## 3- البر والإحسان:

وهذا مما يجوز أيضًا من المعاملات مع الكفار وليس من الموالاة؛ كالإطعام والسقيا والكسوة والهبة والإهداء؛ كل ذلك من الإحسان، والبر به -أي: أن يكون بارًّا لطيفًا معه- والإقساط وهو العدل، لأن الله جَلَّ وَعَلَّا قال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]، نزلت في أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما لَمَّا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟، قَالَ: «نَعَمْ صِلِيهَا»(1)، وكانت أمها في زمن الحديبية زائرة لابنتها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها راغبة في صلتها وفي أن تعطيها شيئًا.

وفي الإطعام: قال الله جَلَّ وَعَلَّا: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]، والأسير في دار الإسلام -في ذلك الوقت- لا يكون إلا كافرًا، وقد ثبت أن أسيرًا كافرًا قال للنبي ﷺ: «يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ»، فَأَتَاهُ، فَقَالَ ﷺ: «مَا شَأْنُكَ؟»، قَالَ: «إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي وَظَمْآنُ فَأَسْقِنِي»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَذِهِ حَاجَتُكَ»(2)، فأطعمه ﷺ وكان ﷺ يُطعم الأسرى ويسقيهم، فهو من البر والقسط؛ حتى لو كان مخيرًا في قتلهم.

وقال جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4]، فالمنُّ أن يمن عليه بنفسه، ويهبه نفسه مجانًا، مع أنه يمكن أن يأخذ منه الفداء، وأراد الأنصار أن يتركوا شيئًا من فداء العباس فمنعهم النبي ﷺ لأجل ما معه من المال، وذلك يدل على الجواز، وقد أرادوا ذلك إكرامًا للرسول ﷺ، وأراد هو مساواته مع غيره من الكفار، فالمنُّ وترك شيء من الفداء مما يجوز في معاملة الكفار، وقد منَّ

______

=في ضمانه أو عدم ضمانه، فأولى بذلك إذا كان مضطرًا تقية أو إكراهًا، إنما الذي نقول إنه لا يجوز: ما كان في بدن أخيه أو عرضه ونحو ذلك، فإنه لا يجوز له أن ينتهك حرمة أخيه بقتل أو ضرب أو جلد أو انتهاك عرض أو نحو ذلك مما فيه أذى للمسلم.

فعند الإكراه على حراسة كنيسة ونحو ذلك ننظر في شروط الإكراه، إن استوفيت شروط الإكراه فهو معذور، وإن لم يكن مكرهًا وكان يمكنه التخلص من ذلك وترك هذا الأمر بأية وسيلة من الوسائل؛ فإنه لا يكون مكرهًا.

للاستزادة في مسألة الإكراه وشروطه وما يكون منه معتبرًا وما لا يكون؛ انظر رسالة «فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» للمؤلف.

(1) رواه البخاري (2620، 3183)، ومسلم (1003).

(2) رواه مسلم (1641).

الصفحة السابقة الصفحة التالية