المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 189
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
٦- وأما الاستعانة بالكفار لصالح المسلمين دون أن يكون لهم سلطان على المسلمين:
فهذا أمر مهم، وفي الحقيقة هو نوع من الاستئجار، ويمكن أن يكون نوعاً من قبول المنفعة منهم، والانتفاع بما عندهم من أنواع العلوم الدنيوية أو الخبرات للمسلمين هو على سبيل الاستئجار لهم، كما ننتفع مثلاً بأنواع الصناعات التي عندهم والخبرات العلمية والطب والكيمياء والهندسة وغير ذلك من أنواع العلوم.
والدليل على ذلك أن النبي ﷺ استأجر هادياً خريتاً، أي: دليلاً ماهراً يدله على الطريق أثناء هجرته ﷺ مع أبي بكر رضي الله عنه، وكانت خزاعة عيبة نُصح(١) للنبي ﷺ من الكفار منهم لأجل قرابته، ولذلك دخلوا في عهد النبي ﷺ في الحديبية، ولأجل القرابة كانوا يبتغون مصلحة النبي ﷺ، فكان منهم عيون وجواسيس للنبي ﷺ، وربما كان ذلك فيه مصلحة أكبر، لأنهم يكونون وسط الكفار فيأتون بأخبار أكثر.
وشرط ذلك ألا يكون فيه سلطان على مسلم، فلا يجوز أن يُعيَّن كافرٌ قائداً للجيش، ولا أن يعين قاضياً، ولا أن يعين محتسباً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وذلك لأنه ليس أهلاً لذلك، وهذا من السبيل وقد قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]، لأن الذي له سلطة الأمر والنهي يكون له سبيل على المأمور المنهي، والكافر عنده منكر أشد وأعظم، فلا يكلف بذلك في ولاية المسلمين، وكذلك لا يجوز أن يتولى ولاية الشرطة التي فيها سلطان على المسلمين، ولا الكتابة التي فيها تَحكُّم في ما يعطي وما يمنع من المسلمين، وقد اتخذ أبو موسى رضي الله عنه كاتباً نصرانياً، فأرسل إليه عمر رضي الله عنه بمنعه من ذلك، وقال: «لا تُعِزُّوهُمْ وقد أذلهم الله، ولا تقربوهُمْ وقد أبعدهم الله»(٢).
فيمكن الاستعانة بهم في بعض الأمور؛ كمن يأتي بمهندسي بترول أو أهل الخبرة في صناعة ما أو في علم ما، أو غير ذلك، مثل تعليم فنون الحرب والقتال، فهذا كله دلّ على جوازه.
______
(١) العيبة بفتح العين وسكون الياء: ما توضع فيه الثياب لحفظها، أي أنهم موضع النُّصح له والأمانة على سرِّه.
(٢) ذكره البيهقي (١٠ / ١٢٧)، وصححه الألباني في «الإرواء» (٨/ ٣٧٨).
