شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 214

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

بهذا الحكم الشرعي، فقد يُلهم النبي ﷺ أن هذا أمر أُمِرَ به، أما قول النبي ﷺ: قال الله تبارك وتعالى: «يَا عِبَادِي؛ إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»(١)، فلابد أن الله تبارك وتعالى تكلم بهذا الكلام، لكن لا يلزم أن تكون هذه الحروف بعينها قد تكلم بها، بل يمكن أن تكون ترجمة عن كلام الله، ولذلك تجوز رواية الحديث القدسي بالمعنى، أما القرآن فلا يجوز روايته بالمعنى (٢).

والثابت عن الصحابة أنهم رووا الأحاديث القدسية كما رووا الأحاديث النبوية، واختلفت ألفاظهم في روايتها، فإما أن يكون النبي ﷺ هو الذي تكلم بالحديث بألفاظ متعددة، أو أن الصحابة رووها بألفاظ متعددة، وهذا أظهر والله أعلم.

والقرآن كلام الله حقيقةً -أي ليس مجازًا-، وليس حكايةً عن كلام الله ولا عبارةً عن كلام الله -كما يقول الأشاعرة-؛ بل القرآن كلام الله حقيقةً؛ هذه الكلمات، وهذه الحروف، وهذه الألفاظ العربية تكلم الله بها، وكلامه غير مخلوق؛ لأن كلامه صفة من صفاته.

ومعنى غير مخلوق: أي لم يكن معدومًا ثم وُجِدَ، فالإنسان يكون عاجزًا عن الكلام ثم يتكلم، فهو -الإنسان- لم يكن متكلمًا ثم صار متكلمًا؛ لأن كلامه حادث مخلوق بعد أن لم يكن، أما كلام الله تبارك وتعالى فليس مخلوقًا فالله تبارك وتعالى لم يَزَلْ متكلمًا إذا شاء، والكلام لا يكون بغير متكلم؛ فالكلام صفة من صفات الله تبارك وتعالى وفعْل من أفعاله، فهو سبحانه يتكلم.

وقد فَرَّقَ تبارك وتعالى بين الخلق وبين الأمر، فقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فالأمر غير الخلق، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فالأشياء يُكَوّنُها الله تبارك وتعالى بكلمة: ﴿كُنْ﴾، فكلمة: ﴿كُنْ﴾ ليست مخلوقة؛ لأنها من كلام الله تبارك وتعالى، وإنما يخلق الله تبارك وتعالى الخلق بأمره، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، فالأمر يخلق الله تبارك وتعالى به الخلق، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، فالقرآن من أمر الله وأمره غير خلقه، فهو سبحانه يخلق الخلق بكلامه الكوني ألا وهو: ﴿كُنْ﴾، فالله تبارك وتعالى يُكَوّنُ الأشياء بكلامه، والقرآن كلامه سبحانه وهو من علمه سبحانه.

______

(١) رواه مسلم (٢٥٧٧).

(٢) وإنما تجوز رواية الحديث بالمعنى لمن يتقن الألفاظ من أهل العلم ويعرف الفرق بين المعاني.

الصفحة السابقة الصفحة التالية