المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 215
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]، فقد جعله الله تبارك وتعالى من العلم، وعِلْمُ الله أيضًا صفةٌ من صفاته غير مخلوق، أي ليس مستَحْدَثاً، فالإنسان كان جاهلًا ثم تعلم، فعلم الإنسان مستَحْدَثٌ، أما الله تبارك وتعالى فلم يَزَلْ سبحانه بكل شيء عليمًا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠، الفتح: ٢٦].
والقرآن: «من الله بدأ»؛ بمعنى أن الله تبارك وتعالى هو الذي تكلم به ابتداءً، وكل من نُسِبَ إليه القرآن بعد ذلك فإنما قاله مبلّغًا ومؤديًا عن الله تعالى قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ١٩-٢٠]، فالمقصود بأنه قول جبريل عليه السلام أن جبريل قاله مبلّغًا عن الله تبارك وتعالى، فليس كما قال الكفار إنه مُخْتَرَعٌ من عند رسول الله ﷺ، بل هو وحي رسُول كريم هو جبريل عليه السلام (١)؛ ومعنى أنه قول جبريل أي: قاله جبريل، وإنما هو من الله سبحانه ابتداء، قاله جبريل مبلّغًا عن الله تبارك وتعالى، والكلام في الحقيقة يُنْسَبُ إلى من قاله متكلِمًا به لا إلى من قاله مبلّغًا مؤديًا إلا إذا كان على سبيل الرسالة؛ كقول القائل: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (٢)، فهذا في الحقيقة كلام النبي ﷺ، وإنما قاله القائل تبليغًا، فهو إنما يبلغ الرسالة، وكما قال تبارك وتعالى عن النبي ﷺ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤٠-٤١]، فقد نُسِبَ القرآن إلى النبي ﷺ على أنه قوله، ولكن على سبيل الرسالة، فقولنا: «منه بدأ»، أي: أن الله تبارك وتعالى هو الذي تكلم به ابتداءً.
«وإليه يعود»: فقد ثبت في الأحاديث أن القرآن يعود إلى الله تبارك وتعالى يوم القيامة، يُسْرَى به من المصاحف ومن الصدور؛ بحيث لا يقدر الناس على آية منه ولا على حرف، ولا يبقى في الأرض شيء منه، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «أَكْثِرُوا تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ» قَالُوا: هَذِهِ الْمَصَاحِفُ تُرْفَعُ، فَكَيفَ بِمَا فِي صُدُورِ الرِّجَالِ؟ قَالَ: «يُسْرَى عَلَيْهِ لَيْلًا فَيُصْبِحُونَ مِنْهُ فُقَرَاءَ وَيَنْسَوْنَ قَوْلَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَقَعُونَ فِي قَوْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَشْعَارِهِمْ وَذَلِكَ حِينَ يَقَعُ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ»(٣).
______
(١) جبريل عليه السلام رسول ملكي مبلغ عن الله تعالى، والنبي ﷺ هو الرسول البشري.
(٢) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).
(٣) رواه الدارمي (٣٣٧٦)، والقرطبي في تفسيره (١٣ / ٢٣٤)، وقال الشيخ حسين سليم أسد: «إسناده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وبقية رجاله ثقات»، وذلك في تحقيقه للحديث في «سنن الدارمي».
