شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 22

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

ومن الأدلة على أهمية الإيمان بأسماء الله وصفاته: أن ظن الجاهلية في صفات الله مُهلك، قال الله تعالى في مَنْ شَكَّ في صفة السمع والعلم لله تعالى: ﴿وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ ۝ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٢-٢٣]، قوله: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ أي: أهلككم، وعن ابن مسعود ﵁ قال: «اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ، قَلِيلٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ، كَثِيرٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَتَرَوْنَ اللهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ؟ وَقَالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلَا يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا، وَقَالَ الآخَرُ: إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَهُوَ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷻ: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ ۝ وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾»(١)، جعلوا البحث في أسماء الله وصفاته مسامرة، فأنزل الله في هلاكهم هذه الآية.

ومعرفة الله بأسمائه وصفاته، ودعاؤه بها، والتعبد له بمقتضاها، هي جنة الدنيا التي مَنْ لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، لأن أعظم سعادة في الدنيا أن يعرف العبد ربه ﷻ ويحبه ويقترب منه، فإن أول ما ذكر الله من نعيم أهل الجنة قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ۝ أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ۝ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠-١٢]، فذكر قربهم قبل أن يذكر الجنة، وقبل أن يذكر ما أعد الله لهم فيها من الطعام والشراب والأزواج وأنواع اللذات، وختم نعيمهم أيضًا بنعيم معنوي، وهو أنهم: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥].

فأعظم نعيمهم القرب من الله ﷻ والنظر إلى وجهه(٢)، وسماع كلامه ومعرفته، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رَحِمَهُ اللهُ: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة»، يقصد بذلك القرب من الله ومحبته ومعرفته ﷻ، وذلك أن التوحيد أصل كل ذلك، فمن لم يعرف ربه ﷻ ويحبه؛ لم يوحّده ولن يدخل جنة الآخرة.

______

(١) رواه مسلم (٢٧٧٥).

(٢) كما قال النبي ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ؛ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، أَلَمْ تُدْخِلْنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟! فَيَكْشِفُ الحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ﷻ». رواه مسلم (١٨١).

الصفحة السابقة الصفحة التالية