المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 221
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فالنبي ﷺ من بني آدم، وليس أول مخلوق، فنقول: مَنْ يقول في الثناء والمدح: يا أول خلق الله، فهذا كلام فاسد، فإن أول خلق الله القلم (١)، وأول خلق الله من البشر آدم عليه السلام، أما أولهم بمعنى: أقربهم منزلة فنعم، ولكن لا يُقال أول بذلك المعنى الفاسد المتقدم.
والغرض المقصود: أن الرسول ﷺ وسائر الرسل بشر من البشر بنص القرآن: ﴿ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ [إبراهيم: ١١]، ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ [الكهف: ١١٠]، ﴿ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ [المؤمنون: ٢٤]، ﴿ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾ [المؤمنون: ٣٣]، ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ﴾ [فصلت: ٦]، ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ و﴿ إِنَّمَا ﴾ أسلوب قصر، جعلهم الله واسطة بينه وبين خلقه في إبلاغ شرعه، بمعنى أنهم ليسوا واسطة يُعبَدُون من دون الله ليُقَرِّبُوا الناس إلى الله زلفى، كما يعتقد كثير من الناس، فيعتقدون فيهم أنهم وسطاء تُصرف لهم العبادة، ويتوكل عليهم حتى يتقرب الإنسان إلى الله؛ وهذا اعتقاد المشركين الذين كانوا يعتقدون في الملائكة أنهم وسطاء بين الناس وبين الله في التوكل عليهم والدعاء والاستغاثة بهم، يدعونهم ويعبدونهم ويستغيثون بهم ليصلوا بذلك إلى الله، أو ليشفعوا لهم عند الله عز وجل، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
لكن الرسل وسطاء بين الله وبين الخلق في إبلاغ الشرع: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ١١٠]. فالله عز وجل جعلهم سفراء بينه وبين خلقه، كي يبلغوا كلامه وشرعه وأوامره ونواهيه، كما قال ﷺ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»(٢)، فلابد من الإقرار بعبوديته وبرسالته، فهي رسالة من الله إلى الخلق، لذلك نقول: هم عباد لله لا يُعبدون، فلا يجوز أن تُصرف لهم العبادة من دعاءٍ أو ذبحٍ أو نذرٍ أو حلفٍ أو طوافٍ بالقبور أو نحو ذلك، مما يفعله عُبَّاد القبور، والمغالون في الرسول ﷺ أو في غيره.
______
(1) هناك خلاف بين أهل العلم: هل العرش أول مخلوق، أم القلم، أم الماء؟ والراجح أنه القلم للحديث الصحيح: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ»؛ وسيأتي بيان ذلك وتفصيله عند الكلام على المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر.
(2) رواه البخاري (٣٤٤٥).
