المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 222
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
ولا يجوز أن يُنسب لهم ما ليس لهم، كأن يُنسب لهم علم الغيب، كما قال تعالى آمرًا نبيه ﷺ أن يقول: ﴿ قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: ١٨٨]، ولذلك فقول القائل مخاطبًا النبي ﷺ:
من فيض جودك ذي الدنيا وضرّتها... ومن علومك علم اللوح والقلم (١)
مبالغةٌ وغلو، فلا يجوز أن يقول: من فضل عطائك يا محمد الدنيا وضرّتها -وهي الآخرة- ومن علومك علم اللوح والقلم، وهذا كلام خطير لا يجوز أن يقال، فالله عز وجل يأمر نبيه ﷺ أن يقول: ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ فهو لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرا، فكيف يملك لغيره ﷺ، وكيف يملكه بعد وفاته ﷺ، ولكن الجهل والتأويل دائمًا عند أهل البدع والضلال يُبطل معاني النصوص عندهم، فيقولون: هذا تواضع فقط، مع أنه ﷺ مأمور أن يقول ذلك، وليس هو الذي يقوله من قبل نفسه، بل الله سبحانه أمره أن يقوله.
قال الله عز وجل: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال النبي ﷺ لفاطمة: «وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا»(٢)، قال الله عز وجل: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، هذا كله يدل على أنه عبدٌ مربوب لله عز وجل.
فأهل الإسلام وسط في اعتقادهم في نبيهم وفي كل الأنبياء: ليسوا كاليهود الذين قتلوا الأنبياء وكذبوهم، ولا كالنصارى الذين أَلَّهُوا نبيهم ورفعوه فوق منزلته، بل أهل الإسلام وسط في ذلك، يقولون عن الرسل: هم عباد ورسل ويطيعونهم كرسل، ولا يعبدونهم ولا يصرفون لهم شيئًا من العبادات.
عصمة الرسل:
ومن صفات الرسل: أنهم معصومون من ارتكاب المعاصي، أما الشرك فبالإجماع أنهم معصومون منه، فالرسل لا يشركون بالله شيئًا -قبل البعثة وبعدها على الصحيح- وأما قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [يوسف: ٣]، أي: غافلًا عن تفاصيل الوحي،
______
(1) وهو كلام البوصيري في «قصيدة البردة» في مدح النبي ﷺ.
(2) رواه البخاري (٢٧٥٣، ٤٧٧١)، ومسلم (٢٠٤، ٢٠٥، ٢٠٦).
