المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 223
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وذلك لأن الله عز وجل اصطفاهم واجتباهم وهداهم، والشرك ينافي ذلك، وكذلك إجماع من يعتد به من أهل العلم منعقدٌ على عصمتهم من الكبائر الظاهرة والباطنة؛ الظاهرة: كالزنا والسرقة وكل ما ختم بنار أو لعنةٍ أو عذاب، وكل ما فيه حدٌّ، والباطنة: كالحسد والكبر والعُجْب.
وكذلك الإجماع منعقدٌ على عصمتهم من الصغائر المزرية، كسرقة حبة، أو قُبلة لامرأة لا تحل؛ فإن هذه من الصغائر المزرية التي تزري بمنصبهم، فلو أن إنسانًا عرف عنه ذلك لازدري منصبه، ولكان ذلك طعنًا فيه، أما الصغائر غير المزرية فهذا الذي وقع فيه الخلاف بين أهل العلم، وهو خلافٌ سائغ، والراجح والله أعلم عصمتهم من جميع المعاصي عمومًا، بمعنى: أنهم معصومون من تعمد ارتكاب المعصية.
أما أنهم وقع منهم ما يُسمّى معصيةً وذنبًا فهذا لا نزاع فيه؛ لأن القرآن صَرَّح بذلك، قال الله عز وجل: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾ [الفتح: ٢]، وقال تعالى: ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [طه: ١٢١]، وقال تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [القصص: ١٦]، وقال عن يونس عليه السلام: ﴿ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وغير ذلك كثير، فالأنبياء وقع منهم ما ذكره الله عز وجل في كتابه وسماه ذنبًا ومعصية، وقال النبي ﷺ في حديث الشفاعة عن عيسى عليه السلام: «ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدًا قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ»(١).
وقال ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ»(٢)، فما الذنب الذي وقع من الأنبياء؟ وهل هناك تعارض بين قولنا إنهم معصومون من ارتكاب المعاصي وبين وقوع هذه الذنوب؟
نقول: إن ذنوب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين، بمعنى أن الأنبياء لعلو شانهم وارتفاع منزلتهم عند الله عز وجل قد يؤاخذون بأشد مما يؤاخذ به غيرهم، فترك الأفضل في حقهم يسمى ذنبًا، والخطأ والنسيان يسمى في حقهم ذنبًا، والفتور عن الذكر يسمى ذنبًا يستغفرون الله عز وجل ويتوبون إلى الله منه.
______
(1) رواه البخاري (٤٤٧٦، ٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠)، ومسلم (١٩٣).
(2) رواه مسلم (٢٧٠٢)، وهذا لفظ أحمد (١٧٨٣٠).
