شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 224

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

والدليل على ذلك: ما ذُكِرَ من الذنوب التي ذكرها الله جل وعلا عن الأنبياء، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ [طه: ١١٥]، فمعصية آدم كانت نسيانًا، وسماها الله جل وعلا معصية فقال تعالى: ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [طه: ١٢١]، مع أنه نص على أنه نسي إلا أنها عُدَّتْ معصية في حقه؛ لأنه ما كان ينبغي له أن ينسى كما ينسى باقي الناس، خصوصًا في هذا المقام، وكما قال ربنا جل وعلا عن موسى عليه السلام: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ [القصص: ١٦]، قال النبي ﷺ: «وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً»(١)، فنص النبي ﷺ أن القتل الذي وقع من موسى لم يكن بقصد القتل، مع أنه كان قتلًا لكافر، ولكنه لم يؤمر بقتله في ذلك الوقت، قال موسى عليه السلام: «إِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا»(٢)، وذلك يوم أن يذكر خطيئته التي أصاب، ويذكر ذنبه، كما في رواية حديث الشفاعة؛ فخطيئته وذنبه أن قتل نفسًا لم يؤمر بقتلها، نفس كافر قتله خطأ، دل ذلك على أن خطايا الأنبياء وذنوبهم إنما هي كما ذكرنا من باب الخطأ لا العمد، وكما عتب الله جل وعلا على النبي ﷺ الخطأ المذكور في قوله: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى ۝ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ۝ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ۝ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ۝ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ۝ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ۝ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ۝ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ۝ وَهُوَ يَخْشَى ۝ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴾ [عبس: ١-١٠]، فإن النبي ﷺ تولى عن الأعمى من أجل الانشغال بالدعوة إلى الله جل وعلا، دعوة رؤساء قريش الذين كان يرجو في إسلامهم قوة للإسلام، فكان اجتهادًا منه ﷺ، وكذا في فداء أسرى بدر حينما نزل العتاب: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وإنما فعل النبي ﷺ ذلك اجتهادًا ولم يكن يريد عرض الدنيا، وإنما وقع التخويف في حق من أراد الحياة الدنيا، أما النبي ﷺ فلم يُرِدِ الدنيا، قال تعالى: ﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا ﴾ فيمن أشار بقبول الفداء رغبةً في الدنيا، أما النبي ﷺ فلم يُرِدِ الدنيا ولا أبو بكر رضي الله عنه، وإنما أرادا أن ينتفعا بالمال على حرب الكفار، وكان هذا من باب الخطأ في الاجتهاد.

ومثل الفتور في الذكر، قال النبي ﷺ: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ»(٣).

______

(١) رواه مسلم (٢٩٠٥).

(٢) رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤).

(٣) رواه مسلم (٢٧٠٢).

الصفحة السابقة الصفحة التالية