المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 226
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
يَا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ قَالَ: ﴿ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴾(١)، فإبراهيم عليه السلام أعلى قدرًا من نوح صلى الله عليهما وسلم، فالغرض المقصود أن نوحًا عليه السلام في أحد الوجهين في خطيئته التي أصاب، أنه دعا بدعائه المذكور على قومه، والوجه الثاني أنه قال كما في حديث الشفاعة: «إني سألت ربي ما لم يكن لي أن أسأل»(٢)، يعني قوله: ﴿ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴾ [هود: ٤٥]، وذلك في الحقيقة سؤال عن حكمة إهلاكه رغم أنه من أهله -في ظنه عليه السلام-، فهو يسأل عن الحكمة، وهذا في الحقيقة ليس بذنب ولا معصية، فالملائكة قد سألوا الله جل وعلا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ [البقرة: ٣٠]، مع أن الملائكة ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: ٦]، فتبين بهذا أنه لعلو شأنه عليه السلام ما كان ينبغي له أن يسأل.
ويونس عليه السلام نص القرآن على أنه إنما وقع فيما وقع فيه ظنًا منه أن ذلك يجوز له، وهو خطأ في الاجتهاد، قال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، فقد ذهب مغاضبًا لقومه على الصحيح من الأقوال، ﴿ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ ظن أن لن يضيق الله عليه إذا انصرف عن قومه بلا إذن، ظن أن ذلك يجوز، فقد دعاهم إلى الله ولم يستجيبوا، فظن أنه يجوز له أن ينصرف، ﴿ فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ أي: فظن أن لن نضيق عليه، وليس معناها القدرة، فليس معناها: فظن أن لن يقدر الله بالقدرة عليه، فهذا لا يمكن أن يظنه نبي أبداً(٣).
وأما يوسف عليه السلام ففي قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ [يوسف: ٢٤]، فهذا الهم هو حديث نفسه على أصح أقوال أهل العلم، وحديث النفس الذي يكون
______
(١) صحيح: رواه أحمد (٣٦٣٢)، والحاكم (٤٣٠٤) وقال: «صحيح الإسناد» وقال الذهبي في «التلخيص»: «صحيح»، وأبو يعلى (٥١٨٧)، والطبراني (١٠/ ١٤٣ / ١٠٢٧٩)، وقال الهيثمي (٦/ ٨٧): «فيه أبو عبيدة ولم يسم من أبيه، ولكن رجاله ثقات، وفي رواية عند الطبراني متصلة فيها موسى بن مطير، وهو ضعيف»، وصححه الألباني بشواهده في «الإرواء» (٥/ ٤٨).
(٢) متفق عليه، وقد سبق تخريجه (ص: ٢١٦).
(٣) وهذا كقول الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا ﴾ [الفجر: ١٥-١٧]، فقد ظن يونس عليه السلام أن الله لن يضيق عليه، وأن الله وسع له في هذا الأمر، وكان هذا الظن خطأ في الاجتهاد، ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
