شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 227

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

مع وجود رغبة في المعصية، فيتركه الإنسان لله جل وعلا، يثاب عليه ولا يعد ذنبًا؛ وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾ [يوسف: ٥٣]، فأصح الأقوال: أن ذلك قول امرأة العزيز وليس قول يوسف عليه السلام.

فتبين بهذا أن معاصي الأنبياء تسمى ذنوبًا ومعاصي وخطايا بلا شك؛ لأن ذلك ورد في الكتاب والسنة، ولكنها من باب الخطأ والنسيان والفتور عن الذكر وترك الأفضل، وهذا يسمى في حقهم ذنبًا.

## الدليل على أن الأنبياء لا يتعمدون المعصية ولا المخالفة:

قول النبي ﷺ للذي قال له: «إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله»، أو قال: «اتق الله واعدل»، فقال النبي ﷺ: «ويحك! فمن يُطِعِ الله إن عصيته؟»(١)، فمفهوم الحديث أنه: إن عصى النبي ﷺ ربه لم يطع الله أحد، فهو استفهام للإنكار، يعني: كيف يطيع الله أحدٌ من الناس إن عصاه النبي ﷺ؟

ومثل هذا قوله تعالى عن صالح عليه السلام: ﴿ فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ﴾ [هود: ٦٣]، يعني: لو أن الرسول عصى الله لانتصر منه، ولما وجد من ينصره، ولم يقع قط أن الله انتصر من رسول، أو عاقب رسولًا أو عذبه، وإنما انتصر لهم وأكرمهم ودمر أعداءهم، ولذلك جعلهم قدوة للعباد بكونهم لا يعصون الله عمدًا، كما قال سبحانه: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فهذه الآية من أدلة العصمة، فإذا كان كل من هداهم الله يُقْتَدَى بهم، فهذا يدل على أنهم لا يتعمدون المعصية.

وأما السهو والنسيان والفتور عن الذكر فإن ذلك يقع منهم؛ لكي يتعلم العباد منهم كيف يتوبون إلى الله جل وعلا ويستغفرونه، فإذا علموا أن الأنبياء يستغفرون، عرفوا أنهم أولى من الأنبياء بالاستغفار، ولم يروا لأنفسهم الكمال، حتى لا يظن العبد أنه استكمل حق الله عليه أو أنه أدى ما عليه كاملًا، لا بل لابد للعبد أن يرى نفسه دائمًا مقصرًا، كما ذكرنا، والخلاف بين أهل العلم في مسألة وقوع الصغائر غير المزرية من الأنبياء خلاف سائغ بين أهل السنة(٢).

______

(١) رواه البخاري (٣٦١٠، ٦١٦٣، ٦٩٣٣)، ومسلم (١٠٦٤).

(٢) إن شيخ الإسلام ابن تيمية يُرجح صحة وقوع الصغائر من الأنبياء، ويذكر خلافًا في الكبائر، ولكن الصواب أن الخلاف فيها غير معتبر وغير سائغ، بل الإجماع ممن يُعتد به أنهم لا تقع منهم الكبائر أبداً، وذلك بعد البعثة، وقبل البعثة أيضًا على الصحيح؛ لأن ذلك يزري بمنصبهم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية