المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 229
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
بيدِهِ، وقال: «لَقَدْ ظَلَمْنَاكَ إِنْ كُنْتَ رَسُولَهُ، اكْتُبْ فِي قَضِيَّتِنَا مَا تَعْرِفُ» (١)، فهم يقولون إنهم لا يشهدون بذلك ولو شهدوا لاتبعوه.
وعندما جاء أبو سفيان ليُسْلِمَ شهد أن: لا إله إلا الله، ثم قال العباس رضي الله عنه له: «اشهد أن محمدًا رسول الله»؛ فقال: «أما هذه ففي النفس منها شيء»، فقال له العباس رضي الله عنه: «أسلم قبل أن تُضرب عنقك» (٢)، فشهد وحسُن إسلامه بعد ذلك.
فالغرض المقصود: أن كثيرًا من الكفار يُقرون بوجود الله جل وعلا، وربما يُقرّ كثير منهم بوحدانيته، وهم رغم ذلك كفرة بالله جل وعلا إذ كفروا برسله، لأنهم يفرقون بين الله ورسله، فيقولون: نؤمن بالله ولا نؤمن بالرسول، فهذا كفر، فمن يُجَوِّزُ تكذيبَ أي رسول فهو كافرٌ خارج من الملة، كالذي يقول: إن النصارى ليسوا بكفار رغم تكذيبهم للرسول ﷺ (٣).
وهذا الأمر لا يتصور فيه الجهل؛ لأنه لابد أن يشهد أن محمدًا ﷺ رسول الله، فلو قال للذي يشهد بأن محمدًا كذاب: إن قوله واعتقاده لا بأس به أيضًا، فهذا أقل درجاته أنه: مرتاب في صدق الرسول ﷺ؛ لأنه يصحح تكذيبه كما يصحح تصديقه، وكلاهما عنده حق، فهذا كفر ناقل عن الملة، فالذي لا يُكَفِّرُ من يكذب بالنبي ﷺ فهو كافر خارج من الملة، وذلك لأنه يعلم أنهم لا يصدقون النبي ﷺ ومع ذلك يصوب مذهبهم ويراه خطأ يسيرًا مثل معصية صغيرة من الصغائر، فهذا نص القرآن يدل على أنه كفر؛ لأن الله جل وعلا قال عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، فإيمانهم ليس صادقًا، قال الله جل وعلا عنهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١].
ولماذا هم كفار أيضًا؟ لأن الرسل دعوا دعوةً واحدة، دعوا إلى عبادة الله جل وعلا، وكيف يعبد الله من يكذبه عز وجل ويكذب من أرسلهم؟
______
(1) رواه البخاري (٢٧٣٤)، ومسلم (١٧٨٤).
(2) قصة إسلام أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه ذكرها الحافظ في «المطالب العالية» (٤/ ٢٤٨/ ٤٣٠١)، وقال: «هذا حديث صحيح»، وكذا ذكرها ابن حزم في «جوامع السيرة» (١/ ٢٩٩)، وابن عبد البر في «اختصار المغازي» (١/ ٦٧)، وابن حبان في «الثقات» (٢/ ٤٧)، وصحح إسنادها الصالحي في «سبل الهدى والرشاد» (٥/ ٣٢٦)؛ وكذا البوصيري صححها في «إتحاف الخيرة».
(3) مثل من قال: «إن الخلاف مع النصارى ليس في مسألة التوحيد وإنما في مسألة النبوة وهذه لا تقتضي الكفر»؛ ردًا على من يقول: «إن النصارى كفار»؛ وكلامه هذا كفر ناقل عن الملة بلا نزاع بأي درجة من الدرجات، ولا يتصور فيه الجهل.
