المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 231
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وليس معنى ذلك التفضيل، فإن هناك فرقًا بين التفريق والتفضيل، فقد يظن بعض الناس أننا لا نُفَرِّق: أي لا نُفضل؛ فلا يجوز في ظنهم أن نقول: أيهم أفضل؟ وهذا خطأ، فقد قال الله جل وعلا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فالتفاضل حاصل بأمر الله جل وعلا؛ لأن الله سبحانه هو الذي فَضَّلَ، وحديث النبي ﷺ: «لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ» (١)، معناه: لا تفضلوا بالهوى أو بالرأي، وكذلك لا تفضلوا بطريقة فيها تنقيص من المفضول؛ لأن النبي ﷺ قال ذلك عندما جاءه يهودي يشتكي صحابيًا لطمه عندما قال اليهودي: «والذي اصطفى موسى على البشر»، وقال الصحابي: «تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا».
فالنبي ﷺ مصطفى؛ لكن هذا لا ينافي اصطفاء الله سبحانه موسى عليه السلام برسالاته وبكلامه، فأراد النبي ﷺ أن يبين أن التفضيل الذي يقتضي التنقيص من المفضول لا يجوز، وكذلك التفضيل بمجرد الرأي والهوى، ولذلك قال ﷺ: «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» (٢)، ومعناه:
١- إما أن يقصد المتحدث نفسه فيقول عن نفسه: أنا خير من يونس بن متى، فقد يظن بعض الناس أن يونس عليه السلام ظالمٌ لنفسه، وأنه من الظالمين، وأما هو -أي هذا المتحدث- فلم يظلم نفسه، فهذا الظن لا يجوز بحق نبي من أنبياء الله، فإن أي نبي من الأنبياء أفضل من جميع الأولياء.
٢- أو: لا ينبغي لأحدٍ أن يقول: أنا -يعني النبي ﷺ- خيرٌ من يونس بن متى عليه السلام، بمعنى التنقيص من يونس بن متى عليه السلام، فهذا على الوجه الثاني، أما أن النبي ﷺ أفضل من يونس بن متى عليه السلام، فهذا لا نزاع فيه، وهو ﷺ أفضل من كل الأنبياء، وهذا التفريق لا يعني تنقيصًا للمفضول بذكر الفاضل، وأفضل الأنبياء على الإطلاق محمد ﷺ، قال ﷺ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ» (٣)، مع قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧]، فنعلم من مجموع ذلك أن النبي ﷺ خير الخلق على الإطلاق، وأفضل من جبريل عليه السلام، وبعد النبي ﷺ في الفضل إبراهيم عليه السلام؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
______
(1) رواه البخاري (٣٤١٥)، ومسلم (٢٣٧٣).
(2) رواه البخاري (٣٤١٣، ٣٤١٦، ٤٦٣٠، ٤٦٣١)، ومسلم (٢٣٧٧).
(3) رواه البخاري (٣٣٤٠، ٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤، ٢٢٧٨).
